حول قضية الرق في موريتانيا
الأحد, 06 يوليو 2014 10:32

الهادي بن محمد المختار النحوي تعتبر قضية الرق وآثارها إحدى أكبر المشاكل التي تهدد المجتمع الموريتاني في بنيانه والدولة في كيانها ، إن لم تكن أخطرها على الإطلاق ، وسأقف هنا بعض الوقفات السريعة مشاركة في مناقشة هذه القضية بحثا عن ملامح حل يجنب بلدنا الفتن والهزات ويجنب

مجتمعنا التفكك والتناحر ويؤمن للأجيال الحاضرة والمستقبلية العيش في عدالة وإخاء في وطن لا طبقية ولا غبن فيه ولا هيمنة لفئة على أخرى.
أعرف أن بعض المثقفين والكتاب ناقشوا الموضوع وكتبوا عنه لكن القضية لم تأخذ حقها من الدراسة حتى الآن.

ظلم تاريخي

لنعترف صراحة ودون لف أو دوران أن العبيد والحراطين وقع عليهم ظلم تاريخي خلال قرون من الزمن وخطورة ذلك الظلم انه وقع باسم الدين . قد يكون للسلف فهمهم وتأويلهم للحالة في العصور الغابرة لكن وضعنا نحن اليوم يختلف فالصورة واضحة لا غبار عليها ولا بد من تحمل المسؤولية لمعالجتها.

موقف "المؤسسة الدينية"

كما ذكرنا فإن الأرقاء والحراطين تعرضوا لظلم تاريخي وكان ذلك باسم الدين أو بعض تفسيراته لذلك يتعين اليوم على الفقهاء والعلماء والدعاة أكثر من غيرهم أن يميطوا اللثام عن موقفهم بصراحة من الموضوع وإن كان الذي يهمنا هو التركيز على الحاضر وليس نبش الماضي بطريقة لا تخدم الهدف المنشود. وأعتقد أن طلب "إيرا" المناظرة الدينية حول الموضوع فيه نوع وجاهة ، فعلى الفقهاء أن يناقشوا الموضوع على الملأ ، فإن كان لهم ما يثبت أن ممارسة الرق في بلدنا صحيحة شرعا فليأتوا بالأدلة على ذلك وإذا كان ليس لها ما يسندها من الشرع فيجب أن يعاملوا المسالة كما يعامل المنكر ، فالمنكر يجب تغييره أحرى إن كان هذا المنكر فيه من الظلم الشنيع على طائفة واسعة من أبناء بلدنا ما الله به عليم ..

فالعلماء عليهم مسؤولية كبيرة حتى لا يؤتى الدين بسبب تقاعسهم عن إظهار الحقيقة فهناك أجيال من الحراطين تنزع ليس إلى التطرف ضد شريحة "البيظان " بل ضد الدين وسبب ذلك ما شاهدوه من ظلم وسكوت عليه وإلباسه لبوس الدين..

وهذا باب خطير من أبواب الفتنة ، ومن لم يتحرك لإطفاء الحريق فكأنما ساهم في صب الزيت على النار لتلتهم الأخضر واليابس وتلتهم البيت ومن فيه.

طبقة النخبة والمثقفين

لا تقل مسؤولية هذه الفئة عن مسؤولية الفقهاء والمشايخ ، فليس أمام هذه الطبقة إلا العمل بجد للحفاظ على كيان الدولة ونسيج المجتمع ، على المثقفين أن يتبنوا بشكل كامل قضية الرق سواء سميناه رقا موجودا ممارسا أو سميناه مخلفات ، فالمهم النتيجة ، فليس من المنطقي ولا من العدل أن يتولى الحراطين وحدهم حمل راية الدفاع عن الأرقاء والحراطين لأن ذلك سيزيد الهوة بين طبقات المجتمع ويصبح الحرطاني لا يفكر إلا في الحراطين ويصبح البيظاني يتوجس خيفة من إخوته الحراطين ويتم الاصطفاف على أساس "الهوية" أو الفيئة وذلك هو طريق الفتنة السالك ، نسال الله أن يبعدها وعنا ويؤلف بين قلوبنا ..

ليس من المعقول أن تكون (إيرا) وما شابهها من منظمات هي التي تحمل لواء الدفاع عن الحراطين وتكتفي شريحة البيظان إما بالتبرير أو إظهار نوع من التفهم أو مجرد دور المتفرج الذي يرى الفتنة تقترب منه ولا يحرك ساكنا فهذه غاية السلبية.

فإن بقينا على هذا النهج فليس لنا أن نلوم خطاب (إيرا) أو نعتبره متطرفا ، فلا بد من التحرك ، فإذا كانت الحالات التي تذكرها إيرا عن التلبس بالعبودية حقيقية فيجب أن يتحرك البيظان معها أو أمامها لكشف أي حالة أخرى وإذا كانت هذه الحالات غير حقيقية فيجب أن نتحرك جميعا لخطوات إيجابية إلى الأمام دون تضييع الوقت في الجدل غير المجدي.

وعلى مستوى التمييز الإيجابي يتعين على مثقفي ونخبة شريحة البيظان منح تمييز إيجابي لإخوتهم من الحراطين فإن كانت مقاعد برلمانية فلتكن الأولوية لهم وإن كانت مقاعد في البلديات فالأمر كذلك وإن كان من سعي لوظيفة أو منحة فيجب إعطاء الأولوية لأبناء الحراطين ..

مسؤولية الدولة

الدولة تتحمل مسؤولية كبيرة أجملها في التمييز الإيجابي الذي يمكن أن يكون من خلال :
مكافحة الفقر في مناطق الحراطين

إعطاء الأولوية لأبناء الحراطين في المنح الدراسية وفي الوظائف

أن يكون الوزير الأول من الحراطين

أن يكون نصف أعضاء مجلس الوزراء من الحراطين

أن يكون نصف المناصب العليا عموما مثل الشركات ونحوها من نصيب الحراطين.

كما أتمنى أن أرى اليوم الذي ينتخب فيه الموريتانيون رئيسهم من شريحة الحراطين وذلك ليس مستحيلا إذا وجدت دولة المؤسسات التي تعطي الفرص العادلة لكافة أبنائها وتبتعد عن اساليب الماضي التي تعتمد على النهج القبلي واستخدام نفوذ الدولة .

ويجب أن تتوجه الدولة والمجتمع بشكل عام إلى منح الحراطين والفئات المغبونة مثل المعلمين وغيرهم الفرص المناسبة وأهم من ذلك تقديرهم واحترامهم ودفع الظلم عنهم معنويا كان أو حسيا .

خطاب بعض المدافعين عن "الحراطين"

كما ذكرت فإن الحراطين تعرضوا لظلم حقيقي خلال قرون من الزمن وعلى هذا الأساس يمكن أن نتفهم رد فعل الأجيال الحاضرة من أبناء الحراطين فلصاحب الحق مقال. ورغم كل ذلك فإني أرجو من إخوتي في (إيرا) مراجعة خطابهم قليلا، وأوجه هنا نصيحة صادقة إلى الرئيس بيرام لأقول له أولا إنهم على حق في الدفاع عن الحراطين والمستضعفين لكن في المقابل أرجو أن ينتبهوا قليلا لخطابهم وعباراتهم من قبيل "المجتمع الاستعبادي و " أحزاب البيظان وأحزاب اعبيدهم" وتوجيه اللوم والتوبيخ لكل البيظان واعتبار الأجيال الحالية مسؤولة عن الظلم الذي تعرض له الحراطين .. هذا الخطاب لمن يريد أن يصبح رئيسا لموريتانيا لا أظنه انسب خطاب ، فمن الناحية الواقعية والعملية "البيظان" ما زالوا يتحكمون في مصادر التمكن الثلاثة : التعليم والمال والسلطة ، وأعتقد أن خطابا بهذا اللهجة سيجعلهم في موقف دفاع بغض النظر هنا عن الحق والباطل في المسألة ، وسيزيد تخوفهم من المستقبل ومن وصول الحراطين إلى الحكم ..
كما لا أظن أن مقارنة الواقع في موريتانيا بحالة الأبرتيد في جنوب إفريقيا هي التشخيص الصحيح لمشكلتنا..

الرئيس بيرام اليوم اصبح جزءا واضحا من المعادلة السياسية والاجتماعية في موريتانيا لا يمكن القفز عليه وهذا يحمله مسؤولية كبرى تستدعي التحلي بالحكمة والتعامل بصفة الزعيم وليس بصفة الناشط الحقوقي وله في الرئيس مسعود والرئيس بيجل وغيرهما من زعماء الحراطين أسوة حسنة.

خلاصة هذه الخاطرة أن مجتمع البيظان بحاجة إلى وقفة تأمل عميقة حتى لا أقول ثورة كبرى للتعاطي بشكل جدي وحقيقي مع مشكلة الرق أو آثاره ومع كل آثار الحياة التراتبية والطبقية التي كانت سائدة في المجتمع ، فالأمر خطير وليس لأحد أن يتقاعس عن تحمل مسؤوليته فيه ، هذا إذا أردنا موريتانيا عادلة آمنة لا غبن فيها ولا تمييز ولا ظلم ..

نحن بحاجة إلى تعزيز تجربة حراس المستقبل التي طرحها وبلورها واشرف عليها أستاذنا وشيخنا الشيخ الخليل النحوي حفظه الله ووفقه لعلاج هذه القضية.

 

اللهم احفظ بلدنا وألف بين قلوب أهلها وأصلح أحوالهم..