نفايات المجاري تلوث مياه نواكشوط
الاثنين, 07 يوليو 2014 16:24

منذ إنشاء العاصمة الموريتانية نواكشوط على ضفاف المحيط الأطلسي بداية خمسينيات القرن الماضي والحصول على الماء الشروب هو لغز الحياة اليومية لسكانها الذين ارتفع عددهم من ستة آلاف ساكن

 في عام 1960 إلي قرابة المليون ساكن حاليا.
ورغم مرور عدة عقود والمشكلة الوحيدة المطروحة أمام استغلال مياه من "إديني" هي الخوف من اختلاط المياه العذبة في أعماق البحيرة الجوفية بمياه المحيط المالحة والتي تلتقي معها في نقطة غير بعيدة من محطة استخراج المياه، إلا انه ومع تقدم الزمن باتت المشاكل التي تواجه توفير مياه الشرب لنواكشوط تتزايد بشكل أصبح يثير مخاوف خبراء المياه والصحة في هذا البلد.
ويأتي التلوث علي رأس قائمة هذه المشاكل اذ سبق وان دقت عدة منظمات وجهات مختصة ناقوس الخطر من التداعيات الكارثية لتلوث مياه الشرب على سكان المدينة المتسارعة النمو الديمغرافي حيث يقطنها حاليا حوالي ثلث سكان موريتانيا.

منابع التلوث

ورغم أن أهم أسباب تلوث المياه بصورة عامة في موريتانيا تتمثل، حسب الخبراء، في تسرب المواد الكيميائية ذات التركيبة الخطيرة علي الحياة إلي باطن الأرض حيث البحيرات الجوفية كما يحدث في منطقة اينشيري شمال نواكشوط من استعمال لمعدن السيانير شديد السمية في عمليات استخراج الذهب في هذه المنطقة، وكذالك المواد الكيميائية الغير قابلة للتحلل مثل المبيدات الحشرية التي يتم استخدامها بكثرة في منطقة شمامه الزراعية علي ضفاف نهر السينغال في ولاية الترارزة جنوب العاصمة الموريتانية.

إلا انه وبالنسبة للعاصمة نواكشوط فان تلوث مياه الشرب يتعلق بأسباب أخري ناتجة في الأساس عن مسلكيات التعامل البشري مع الموارد المائية للمدينة.

المهندس في مكتب الصرف الصحي بنواكشوط، مولاي ولد كواد، يري أن أكثر عوامل تلوث مياه العاصمة تكمن في ثلاثة أسباب رئيسية هي: عمليات الربط غير الشرعي بشبكة أنابيب المياه التي تزود العاصمة من قبل المزارعين في ضواحي المدينة قبل وصولها إلي مركز الخزان الرئيس في نواكشوط. وطريقة بناء مجاري الصرف الصحي التقليدية في منازل المدينة. بالإضافة إلي خطر التلوث عن طريق خزانات البنزين والمواد الكيميائية الملوثة الأخرى.

ويشرح الخبير الموريتاني كيف أن أصحاب المزارع الواقعة قرب أنابيب المياه عند مدخل العاصمة يقومون بإجراء عمليات ربط بأنابيب المياه بصورة غير شرعية وبدائية الأمر الذي قد ينتج تلوث مياه الشرب.

أما عن السبب الآخر للتلوث فيأتي من مجاري الصرف الصحي المنزلية التقليدية التي يقوم سكان العاصمة ببنائها في ظل غياب كلي لشبكة للصرف الصحي في نواكشوط، ويتمثل خطر هذه المجاري في قربها عادة من أنابيب مياه الشرب الأمر الذي يؤدي إلي تسرب الجراثيم والميكروبات الضارة إلي هذه الأخيرة
.
ويعتبر هذا الخطر هو الأكثر احتمالا نظرا لعدم تغطية شبكة أنابيب مياه الشرب لأغلب أجزاء العاصمة الموريتانية، إذ مازال السكان في غالبية أحيائها يعتمدون علي الصهاريج وعربات الحمير في التزود بالماء، وعلي خزانات مائية منزلية في تخزينه تجاور في العادة المجاري التقليدية للمنازل مما يزيد من خطورة الوضع.

وحول الخطر الثالث، يؤكد ولد كواد علي انه يجب القيام بنقل جميع محطات البنزين الواقعة بالقرب من منطقة "إديني" نظرا لخطورة تسرب هذا النوع من المواد إلي باطن الأرض حيث منابع مياه البحيرة الجوفية المغذية لنواكشوط، في حال تعرض احدي محطات تخزين الوقود أو شاحنات نقله إلي حادث في تلك المنطقة.

تحت رحمة الكوليرا

وفي ظل هذه الوضعية باتت مخاوف جدية تسيطر على القائمين علي القطاع الصحي في موريتانيا خشية تفشي الإصابة بالأمراض الناتجة عن تلوث مياه الشرب، خصوصا في ظل قصور التدابير الحكومية في هذا المجال.

وحسب الطبيب في المستشفي الوطني بنواكشوط، الدكتور محمد ولد عبد الرحمن، فان الدراسات الصحية تشير إلي أن تلوث المياه هو السبب الأساسي في عدد من الأمراض الخطيرة التي تظهر من وقت لآخر في موريتانيا وعلي رأسها وباء الكوليرا الذي شهدت موريتانيا احدي اعنف موجاته قبل حوالي خمس سنوات، حيث تم الإبلاغ وفق البيانات الرسمية في ست مناطق من البلد في منتصف العام 2005، عن حدوث ما مجموعه 2640 حالة أدّت 55 حالة منها إلى الوفاة. وحدثت 89% من مجموع تلك الحالات في مدينة نواكشوط وهي الأرقام التي تتحدث بعض الأوساط عن عدم مطابقتها للواقع الذي شهد حالة يمكن وصفها بالكارثة الوبائية أدت إلي الكثير من حالات الوفاة التي تم التكتم علي الأسباب الحقيقية لها آنذاك.

ووفق ولد عبد الرحمن فان تلوث المياه في موريتانيا يؤدي دوريا إلي ظهور العديد من حالات الإصابة بأمراض أخري لا تقل خطورة كمرض البلهاريسيا ومرض دودة غينيا في مختلف أنحاء موريتانيا.

المياه المعبـأة.. ومعايير الجودة

وتستغل حوالي عشرين شركة خاصة هذه الوضعية لتسويق منتجاتها من مياه معبأة وسط جدل حول وجود هذه المياه ومدي جودتها إذ سبق وان دعت السلطات الموريتانية الشركات العاملة في إنتاج المياه المعدنية في موريتانيا إلى الالتزام بالشروط والمواصفات والمعايير الدولية في إنتاج وتخزين المياه الموجهة إلى الاستهلاك، كما دعتها إلى التقيد بقواعد المنافسة السليمة.

ويقول المسؤولون في وزارة المياه إن السلطات الموريتانية تسعي إلى تطبيق النظم والقوانين المنظمة لهذه الصناعة سبيلا إلى حماية المواطنين من الأضرار الناجمة عن عدم ملائمة هذه المياه لمواصفات الجودة.

وتسوق هذه الشركات مياها معدنية بماركات مختلفة، بيد أن مراقبين يذهبون إلى حد التشكيك في الطبيعة المعدنية لبعضها رغم أنها تسوق بأسعار غالية مقارنة بأسعار المياه المعدنية عالميا الأمر الذي يجعلها بعيدة عن متناول الفقراء الذين يشكلون غالبية السكان.

مشروعان قد يحلان المشكلة

ورغم ا ن آخر الإحصائيات الصادرة عن صندوق الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" بمناسبة اليوم العالمي للمياه 2010 أشارت إلي أن نسبة توفير مياه الشرب في موريتانيا مازالت اقل من 48 في المائة، فان أنظار ساكنة نواكشوط تتجه من اجل رفع تحدي تلوث مياه الشرب وصعوبة الحصول عليها إلي مشروعين كبيرين من المنتظر انتهاء أشغالهما خلال السنوات القليلة القادمة، ويتعلق الأمر في ما يخص المشروع الأول بمشروع "آفطوط الساحلي" الذي يبلغ غلافه المالي 451 مليون دولار أمريكي تكفلت بها صناديق تمويل وبنوك عربية وإسلامية، بالإضافة إلى الدولة الموريتانية.

ويتكون مشروع آفطوط الساحلي، الذي يؤمل أن يلبي حاجة مدينة نواكشوط من الماء الشروب في أفق 2020، من خمسة أجزاء تشمل إقامة منشآت معالجة للمياه ومحطات لضخ المياه ومد الخطوط الكهربائية، إضافة إلى تشييد خط أنابيب لنقل الماء يربط بين نهر السينغال ومدينة نواكشوط، علاوة على بناء خط أنابيب خاص بنقل المياه المعالجة يرتبط بخزان للمياه.

وحسب توقعات السلطات فان هذا المشروع سيوفر 170000مترمكعب يوميا، وهو ما "يلبي حاجيات مدينة نواكشوط في سنة 2020 على أن يرتفع إلى 226000 متر مكعب يوميا في أفق 2030".

أما عن المشروع الثاني فيخص إنشاء شبكة للصرف الصحي في العاصمة الموريتانية وهو المشروع الذي تم التوقيع علي اتفاقية تنفيذ الجزء الأول منه بغلاف مالي قدره 199 مليون دولار بين الحكومة الموريتانية والشركة الصينية "جزوبا كروب انترناشيونال كوبوريشن " المتخصصة في الأشغال، وتشمل هذه المرحلة التي من المتوقع أن تمتد على مدى ثلاث سنوات ونصف أربع مقاطعات من العاصمة (تفرغ زينه، لكصر، الميناء والسبخه ) بعد أن تم اختيارها وفقا لحاجتها الملحة لخدمات الصرف الصحي.

إيلاف - زين العابدين ولد محمد