الإفتتاحية

بلاعنوان

كاريكاتير

فيديو

تصفحوا

تابعونا على الفيس بوك

إعلان

إعلان

في تأبين المناضل يحي ولد عمر رحمه الله/الأستاذ محمدٌ ولد إشدو

رسالة الخطأ

Deprecated function: The each() function is deprecated. This message will be suppressed on further calls in menu_set_active_trail() (line 2405 of /home/alikhai2/public_html/includes/menu.inc).
اثنين, 2014-11-17 22:07

"يحي بن عمر" آخر، و"عروة" موريتاني ثان، ورائد من رواد النهضة الوطنية ترجل عن جواده اليوم، وانسحب بهدوء، دون أن ينبس بكلمة وداع، أحرى أن يجادل أو يعاتب أو يكون خصيما يرى لنفسه وذويه حقا في عالم شارك في صنعه، وكان له ولجيله من الوطنيين الشرفاء الفضل في صنعه من عدم؛ وها هو يخرج منه صفر اليدين.

في بداية سفر التكوين الموريتاني، انتمى ذلك الفتى اليافع الأسمر الفارع البهي، القادم من "عالم الصحراء والأفق الحزين" في "آفطوط" نحو مدارس العاصمة، إلى شلة من ثلاثة هم: يحي ـ مَمّد ـ بَنْ؛ فكانوا يدرسون معا، ويسكنون معا، ويخرجون معا، ويفرحون ويمرحون ويحزنون معا.

كان الوطن يخطو خطواته الأولى في درب الاستقلال والدولة... وكان الاستقلال السياسي الهش الموهوب لبلد فقير لم يترك فيه المستعمر شيئا يذكر، يتحول شيئا فشيئا إلى استعمار جديد، في ظل تدهور قيم التبادل، وجشع المستعمرين (خاصة شركة استخراج الحديد التي شكلت دولة أقوى من الدولة) وانهيار الاقتصاد الريفي تحت وطأة الإهمال والجفاف وإغراءات الحضر.

وكان العالم في النصف الثاني من القرن العشرين يولد ويتشكل من جديد، والشباب الصاعد الرائد يبحث بجنون عن الطريق.. وكان الفكر القومي والديني المعطى أول ما في المتناول.. ومدارسه شتى، والشباب سدى.

وجدت الشلة نفسها فجأة تمور في خضم معترك يعج بأنصاف المثقفين من صغار الموظفين والتلاميذ يبحث عن غد أفضل.. وفي فبراير سنة 1966 صارت وقودا في فتنة لم تشعلها؛ بل دبرها مترفون سياسيون متآمرون، وتم فيها اعتقال الفتى ضمن عشرات الموظفين الصغار والنقابيين والتلاميذ ونفوا إلى الداخل: انبيكه، بوامديد، تجگجه، وأخيرا مفوضية الشرطة بلكصر (الصورة).

كان، رغم هدوئه والتزامه ومرحه وشجاعته أيضا، التلميذ الوحيد الذي بقي معتقلا مع "الكبار" وكان الوحيد من بين السجناء العرب الذي يعشق الاشتراكية ويواظب في ذلك العهد المبكر على قراءة كتب الفكر والفلسفة.

ولما استعاد حريته رغب عن ملة شلته دون أن يقطع صلته بها، واختار الطريق الأصعب والأخطر: طريق الثورة والديمقراطية والوحدة الوطنية.. واحترف النضال.

  • كان من بين الأشبال الذين حاصروا الرئيس المختار ولد داداه - رحمه الله- عندما زار ثانويتهم سنة 1964 وناشدوه ترسيم اللغة العربية وإعادة الاعتبار إليها.. وظلوا يثابرون على ذلك النهج ويدعمون ذلك الاتجاه ويدافعون عنه، رغم لبان موليير التي أُرضعوها في كنف مدارس الاستقلال الأولى.
  • وفي مقدمة الحشود التي زحفت على السفارة الأمريكية وحاصرتها وأجْلتها عن أرضنا بعد العدوان الصهيوني الأمريكي على العرب في يونيو حزيران 1967.
  • وممن قادوا الجموع التي نددت بمذبحة عمال ازويرات في مايو 1968 وعروا الاستعمار الجديد، ورفعوا راية التمرد والثورة، وبلوروا أهداف النضال الوطني في مطالب شعبية أساسية هي: مراجعة الاتفاقيات الاستعمارية مع فرنسا، وتأميم ميفرما، وإطلاق الحريات الديمقراطية، وترسيم اللغة العربية، وتوفير حياة أفضل للمواطنين. وظل في طليعة ذلك النضال الذي عم البلاد من أقصاها إلى أقصاها في نهاية الستينيات وصدر السبعينيات وتمخض عن تحقيق تلك المطالب:

ـ في نواكشوط وروصو تَصَدَّر الحركة الطلابية والنقابية.

ـ وفي أگجوجت عاملا في شركة سوميما وقائدا عماليا.

ـ وفي نواذيبو ثوريا محترفا يحدو ويقود الحركة الثورية في الشمال.

 

وكان مع ذلك "فتى" لا ينسى "نصيبه من الدنيا" رغم جو العزلة والجدية الكالح الذي يفرضه بعض رفاقه الجامدين الذين يفصلون الثورة عن الثقافة والأدب والفن، ولا يعتبرونها عملا إنسانيا، حين يتذكر مضارب قومه "أولاد تيكي" في "آفطوط" حيث "نيطت تمائمه" وحبا وناغى، فيبكي في صمت وكبرياء (ولكم بكى في صمته التمثال) وهو ينصت خاشعا إلى الفنان الكبير الشيخ ولد آبه يردد قول ولد آدبه:

تفگاد الحله سهان ** تجلاج عن بعد أوطان
مان متفگد شي ثان ** وڸَّ تايب لك يالجليل
احجل شي ثان مان ** ناسيه اتفگدت ثقيل
يوم امگيل الناس اتحان ** حر الصيف إفوت افلمگيل
لگبيل افلكصر متگــــان ** هان ماه فصيف ارحيـــــل

إحان لخظار أوهـــــان ** فِظَّل امتلاحگ لگبيل
ابكيلك يالعين أران ** طيتك لذن افتبك وإسيل

دمع العين اليوم ابلا بيه ** اجميل اعلى سبت لكتيل
فرظ إسيل الگبيل اعليه ** فرظ إسيل ابلا بيه اجميل.

أو حين يعضه الجوع بأنيابه المدببة الموجعة في شتاء نواذيبو القارس فيضحك مستهزئا به، وينشد في هدوئه ومرحه الأسطوري - وهو الفلاح الذي يعتز ببيئته- قول "فتى" فلاح آخر من "آفطوط" هو الشيخ الجليل آبَّه ولد اخطور:

خليلي إن الجوع في زمن الشتا ** شديد على الفتيان بل عنده الحگ
فلما أتينا الحي قالت نســــــاؤهم: ** علينا بهذا اليوم قد عسر الدگ
فقام فتى في الحرث يكسر سنبلا ** ليشويه في الرگ إذ لُيِّنَ الــــــرگ
فلما شواه حكه بحـــــــــــــجارة ** على طبق بقدر ما يلمع البــــرگ
فجلوجه حتى صفا ودعــــا لنا ** وقال: على اسم الله، هذا اسمه منگ

وزاغ حزبه تحت ضغط حملات القمع التي طالت الكثير من أطره الذين ضاقت بهم زنزانات معتقل بيلا سيئ الذكر، فهرب إلى الأمام ودعا إلى خوض النضال المسلح دون أن يمتلك وسائل ذلك، أو يكون الصراع الاجتماعي قد طرحه في جدول أعماله؛ فنال ذلك التوجه الأرعن نصيبا وافرا من سخريته هو المعهودة. ولكن سرعان ما تم تدارك الوضع بالتخلي عن ذلك الخط والدعوة إلى خط "الوحدة الوطنية" حول برنامج وطني إصلاحي يتناسب مع ميزان القوة القائم ويلبي متطلبات المرحلة.

ورغم انتصار خط الوحدة الوطنية الذي جاء مهرجان الشباب في أغسطس 1974 تتويجا له، وتأميم ميفرما وسوميما وبياو، وصدور عفو عام عن جميع الوطنيين، وتسوية أوضاعهم المهنية، وإعلان ميثاق وطني تقدمي، وتبني سياسات اجتماعية في مختلف المجالات الحيوية؛ فقد ظل بعض رفاقه من أنصار الخط المناوئ يتململون ويحنّون إلى التغريد خارج سرب الوحدة الوطنية لعل وعسى، ثم ما  لبثوا  أن انشقوا عن الحزب في نهاية المطاف وحالفوا بوليزاريو. كان الأمر مؤلما له وخطيرا في نظره، لكن ما بيده حيلة.. إنه الصراع الاجتماعي.

واندلعت حرب الصحراء العبثية رغم ما بذله رفاقه من جهد في تجنبها، فجاءت على الأخضر واليابس، وحطمت ما سطره الشعب الموريتاني من معالم خير.

وجاء انقلاب العاشر يوليو:

أقبل الليل فجر يوم حزين ** فنسينا المنى وذقنا الهوانا
حين جاس المغول نهبا وسلبا ** وانتهاكا.. وعاث جنكيز خانا
لجنة بعد لجنة بعد أخرى ** نخرتنا.. طبيعة وكيانا!

وكان من منظريه وقادته زميله وصديقه في الشلة "بن". التقى الرجلان بعد فرقة دهر؛ هذا يقود انقلابا ناجحا ويتربع على عرش أهم وزارات السلطة الجديدة ويطلب من مستشاريه في الوزارة وضع خطة تسيير لعشرين سنة، وذاك صفر اليدين إلا من الإيمان بكنه وطبيعة تلك المهزلة، وتوقع الكارثة التي ستؤدي إليها:

قال له صاحبه:

ـ أرأيت يا يحي ما صنع هؤلاء الرجال! لقد قمنا بثورة ناجحة وأخذنا السلطة وأزحنا الاستعمار وأعوانه.

وأجابه يحي فورا وبصراحته المعهودة:

ـ أخي "بن" إنما يتعلق الأمر - في نظري- بجيش مهزوم عجز عن مواجهة العدو في الجبال والوهاد فـ"تذكر مرابطه" وأغار على أهله..

وتتالت المآسي والأحداث العظام في وطنه وفي العالم.. فعلى المستوى الوطني أعفيت الفئة الواهمة التي يتزعمها صاحبه "بن" من السلطة واستغني عن خدماتها، 6 إبريل، 29 مايو، استسلام موريتانيا وخروجها من الصحراء، 16 مارس، 12/12، 8 يونيو، 3 أغسطس، و6 أغسطس.. إلخ.

وفي العالم سقط شاه إيران وانتصرت الثورة الإسلامية فيها، واندلعت الحرب العبثية المدمرة بين العراق وإيران، واغتيل السادات، ومات بومدين، وانهار جدار برلين، وتفكك الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية، وطغى البترو دولار بجميع أشكاله، واحتل العراق ودمر، وأفلس النظام المالي الرأسمالي، وهزمت إسرائيل في لبنان وغزة، وعمت الفوضى الهدامة والفتنة معظم البلاد العربية والإسلامية باسم الربيع والثورة والإسلام.

وكان حاضرا، ومتكلما، وبصيرا، وإنسانا يخطئ ويصيب. وقد لا يكون مطاعا.. لكنه لا يكذب ولا ينافق، ولا يطلب شيئا لنفسه أو لذويه؛ وهذا ما جعله مختلفا عن الآخرين، ومحترما لدى الآخرين.

عندما يتوقف العمل وتأزف ساعة الرحيل نلقي نظرة إلى الوراء ونجري مراجعة دقيقة لمعرفة الربح والخسارة. ما الذي تحقق، وما الذي خُسر، وهل كان بالإمكان أبدع مما كان؟

تذكر حين قررت موريتانيا الوليدة الاستغناء عن الدعم الفرنسي لموازنتها وخروجها من لوكام ومشاركتها في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية في أديس أبابا، وقطعها لعلاقاتها مع أمريكا وبريطانيا إثر النكسة وطردها لسفارتيهما وانضمامها للجامعة العربية، ومراجعة الاتفاقيات الاستعمارية المهينة مع فرنسا، وإنشاء الأوقية، وتأميم ميفرما... وظل شريط الذكريات ينساب أمام عينيه: كيف هاجم الشباب الثائر الغاضب موكب الرئيس الفرنسي بومبيدو في شارع جمال عبد الناصر أثناء زيارته الرسمية لموريتانيا وأمطروه بيضا وطماطم حتى تغير لون سترته؛ وتلك "الأم" التي لم تلده أو تلد بطل عملية إهانة بومبيدو المرحوم لمرابط ولد حمديت.. ومع ذلك تبنته هو وحنت عليه فعوضته ما فاته من حنان وعطف أمه التي بقيت في البادية؛ وها هي ذي تصنع المستحيل فتقنع الشرطة بأنها أم لمرابط المعتقل لديهم وتنتزع منهم بالبكاء والعويل الإذن لها بالدخول عليه حاملة التعاطف والتضامن والحليب.. والتعليمات أيضا! ثم لا تجد غضاضة - رغم محافظتها- في احتضانه أمام الجميع حتى لا تنكشف حيلتها.

صحيح أن نواكشوط لم تعد كما عرفها يومئذ حين كانت حدودها المسجد العتيق (جامع ابن عباس) شرقا والمستشفى الوطني غربا، وقصر الرئاسة شمالا وفرن صنبا جنوبا.. وتسكنها عدة آلاف، ولا هي حتى "العاصمة" و"لكصر" بل صارت عالما هائلا يضم 9 مقاطعات ويزيد، تمتد عشرات الكيلو مترات في جميع الاتجاهات.. ويربو سكانها على المليون. وصحيح أيضا أن موريتانيا تغيرت كثيرا هي الأخرى، وأنجز فيها كثير، وبقي كثير.

...وتغير العالم أيضا.

ـ في المجال الاقتصادي: انتهت ميفرما وسوميما، وجاءت سنيم وأخواتها، وتازيازت وأخواتها، وازدهر الاقتصاد الوطني، واتسعت الزراعة والصيد والصناعة التحويلية والبنى التحتية موانئ وطرقا وغيرها، وأصبح البنك المركزي يعج بمئات ملايين الدولارات. ومع ذلك لا تزال مردودية هذا الازدهار ضعيفة، وأثره على حياة الناس محدودا، والعملة تتدهور، والتضخم يتصاعد، والقوة الشرائية تهبط.. ذلك أن الفساد - رغم الحرب عليه- ما يزال يعشش في بعض المفاصل، وآفات المحسوبية والوساطة والقبلية والجهوية والرشوة والزبونية السياسية تعصف بالكفاءات وتستبدل الذي هو أدني بالذي هو خير..

ـ وفي المجال السياسي والاجتماعي توجد حرية مطلقة لم يسبق لها مثيل.. ويوجد نحو مائة حزب سياسي، ومئات الجمعيات الأهلية والصحف والمواقع التي لا تخضع لقانون أو عرف. ومع ذلك يمكنه القول إن أداء ومردودية الأفراد القلة الذين كان يتألف منهم الجهاز السري البدائي الذي كان يعمل فيه في بداية السبعينات أقوى وأكبر بكثير من أداء ومردودية جل هذه الطبول الجوفاء، وأن الصفحات العشر التي كانوا يرقنونها في الظلام على الآلة الكاتبة و"استنسيل" ويسحبونها يدويا على "الرنويو" ويوصلونها إلى جميع أنحاء البلاد سرا، وعلى ظهور الجمال والحمير أحيانا، هي أكثر انتشارا وتأثيرا من هذه الفقاقيع.. إذ لا تمدح لنيل، ولا تذم لمنع؛ وإنما تثقف وتربي وتهدي وتحمل في طياتها رسالة اجتماعية.

ـ واللغة العربية التي دخل السجن في سبيلها؟.. تذكر يوم كانت غائبة في دولة الاستقلال إلا في بعض الأقسام التي يتسرب ويتهرب جل تلاميذها عندما يحضر "سيدي" البائس، وقد لا يحضر أصلا. وها هي ذي حاضرة اليوم في كل شيء بفضل كفاح الرواد والجنود المجهولين، وبفضل إرادة هذا المجتمع المثابر. ولكن كم يحز في نفسه وهو يودع الدنيا، قتلها رغم حضورها الواسع بأيدي أدعياء لا يعرفون شيئا عن الماضي ولا يفكرون في المستقبل، ولا تعنيهم الدولة والمجتمع في شيء. أدعياء يقتلون سيبويه ألف مرة في اليوم ويتخذون من لغة القرآن والأمة مطية للوصول والانتفاع ونهب ثمار حرث نفشوا فيه خلسة وهم لم يزرعوه ولم يسقوه ولم يتعهدوه في يوم من الأيام.

... وأخيرا، هل تحقق له ولجيله المراد؟ أم ذهبت أعمارهم وأعمالهم هباء؟ إنه يترك الجواب على ذلك للتاريخ الذي هو وحده الحَكم العادل. لكنه لن يتمثل، مهما بلغت حدة بعض المتشائمين والمتطرفين، بقول الزعيم سعد زغلول - رحمه الله- حين حضره الموت: "ما فيش فايده.. غطيني يا صفية"! بل سيتمثل بهذا البيت الذي يلخص تجربته الشخصية، ومسيرة جيله الرائد.. ثم ينام قرير العين:

ما ضاع سعيي (مطلقا) فبفضله ** قد عرّبت وتحررت أوطاني.