الإفتتاحية

بلاعنوان

كاريكاتير

فيديو

تصفحوا

تابعونا على الفيس بوك

إعلان

إعلان

إدارة التوحّش / الياس خوري

رسالة الخطأ

Deprecated function: The each() function is deprecated. This message will be suppressed on further calls in menu_set_active_trail() (line 2405 of /home/alikhai2/public_html/includes/menu.inc).
ثلاثاء, 2014-12-09 09:08

يشكل كتاب أبو بكر الناجي: «إدارة التوحّش»، الذي يُعتبر أحد المصادر الفكرية الأساسية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، مرجعاً فكرياً للممارسة السياسية التي تقوم بها القوى العسكرية والإعلامية التابعة للتيار السلفي الجهادي المتحدّر من تنظيم القاعدة.
لا أحد، من خارج الدائرة الجهادية الضيقة يعرف من هو المؤلف، لكن الكتاب الذي حظي بنشر واسع على مواقع الإنترنت، يقدم مقترباً لفهم الممارسة الداعشية، وفكرة إدارة المناطق التي ينسحب منها النظام القديم، بصفتها مناطق توحّش في انتظار الانتصار النهائي للمشروع الداعشي.
أي أن المنطقة سوف تعيش مرحـــــلة مديدة من الهمجــــــية، التي على الإسلاميين الجهاديين إدارتها بوسائل متعددة أهمها: إرهاب الخصوم وفرض الشريعة وتطبيق الحدود.
يسمح لنا هذا المقترب بفهم أساليب الدعاية التي يتبعها هذا التنظيم، وتركيزه على بث صور الذبح والقتل، عبر أشرطة هوليودية متقنة، تستخدم الصوت والصورة كأداة إخافة وترهيب. ولعل أهم ما في هذه الأداة هو قدرتها على جذب الأنصار، عبر إشعال ما يمكن أن نطلق عليه اسم الخيال الدموي الممزوج بفكر قيامي.
يحتاج هذا الكتاب، ومعه مجموعة من الكتب والمنشورات الأخرى وخصوصا كتاب «فقه الدم»، لأبي عبدالله المهاجر، الذي يشكل هو أيضاً أحد المراجع الأساسية للممارسة الداعشية – النصروية، لقراءات متأنية، تسمح لنا بالخروج من حال العماء الذي نعيشه وسط هذا المسلسل من الحروب الهمجية في المنطقة.
عدت إلى كتاب الناجي وسط الألم والأسى الذي سببتهما تصفية العريف في قوى الأمن الداخلي اللبنانية علي البزّال، ومشهد أهالي الجنود اللبنانيين الأسرى لدى داعش والنصرة، وهم يعيشون ألم اليأس وسط هذه المجزرة المستمرة.
الطبقة السياسية اللبنانية تتخبط في «خلية الأزمة» الحكومية، من دون أن تنجح في ايقاف المسلسل. الجيش اللبناني، الذي يتعرض عناصره للذبح ويعيشون في شروط أسر لا تحتمل، صامت. أما المجتمع اللبناني الذي اعتاد على السيرك السياسي الذي بناه النظام الطائفي، فيبدو لا مبالياً، كأنه يتعامل مع قضية مشابهة لقضية مفقودي الحرب الأهلية، الذي يريد دفنهم في حفرة النسيان.
أغلب الظن أن أعضاء «خلية الأزمة» الوزارية لم يقرأوا كتاب الناجي، كي يفهموا أن طريقتهم في التفاوض مع الخاطفين لا جدوى منها، وأن التعامل مع قوة عسكرية تتبنى فكرة التوحّش يجب أن لا تتبع الأساليب التقليدية التي لها عنوان وحيد هو الوساطة القطرية!
السؤال الذي يحيّرني، والذي لم يجب أحد عليه هو من المسؤول عن الكارثة العسكرية التي حدثت في عرسال، منذ أربعة أشهر، وأدت إلى خطف ثلاثين جندياً. الرأي العام اللبناني لم يصله أي خبر عن تحقيق جرى، وعن تحديد للمسؤوليات. فالتعامل مع حيوات الجنود يشبه التعامل مع كل شيء في جمهورية الكوميديا اللبنانية السوداء. الموت في لبنان لا قيمة له لأن الحياة لا قيمة لها أيضاً.
اذا تجاوزنا مسألة المسؤولية، لأن البحث في هذا الموضوع يعرّض العلاقات بين الطوائف اللبنانية للخطر! فالسؤال هو كيفية تحرير الجنود ورجال قوى الأمن الداخلي من الحياة وسط الموت في جرود عرسال، ومن تعرضهم للمهانة والإذلال والتجويع في انتظار الإعدام؟
لا يُعقل أن يجد العسكريون وذووهم أنفسهم كالأيتام، ويضطرون إلى تنفيذ أوامر الخاطفين بقطع الطرق!
نعم، إنهم أيتام، فعائلات أبناء المؤسسة العسكرية، التي وظيفتها حماية الناس، يجدون أنفسهم بلا حماية، إنهم في العراء. عراء سياسي وأخلاقي، تكتمل عناصره مع لامبالاة المجتمع المدني بقضيتهم، أو عجزه عن المبالاة، بسبب اقتناعه بلا جدوى السياسة في هذا الوطن المؤجّل.
ولكن، ألا يوجد من يشرح لنا لماذا لا يقوم الجيش بتحرير عناصره مهما كان الثمن، فهذا واجبه الأخلاقي والسياسي؟
هل لأن الجيش لا يتمتع بغطاء سياسي كما يشاع؟ ومن قال إن عليه أن يبحث عن غطاء، حين يتعرض جنوده للقتل؟
أم لأن الجيش والقوى الأمنية لا تمتلك القدرة العسكرية على خوض معركة تحرير الأسرى في الجرود؟
لا أدري، ولكن من حق المخطوفين وذويهم أن يعرفوا، كما أنه من حق الرأي العام ان يطلع على الأسباب بشكل واضح، فهذا المناخ من الترهل واللامسؤولية لا يثير التقزز فقط، بل يؤشر أيضاً إلى النهاية التي بدأت ملامحها تلوح في المدى المنظور.
ولكن في الحالين، أي العجز السياسي أو العجز العسكري، فإن واجب الدولة هو انقاذ جنودها، فاذا كانت لا تستطيع أو لا تريد القتال، فعليها إجراء تبادل عبر قناة تفاوضية واحدة تتحمل مسؤوليتها بشكل كامل. أما اذا كان التفاوض مستحيلاً لأن الخاطفين لا يحددون مطالبهم بشكل واضح أو لأن مطالبهم مستحيلة التحقيق، فعليها ان تعلن ذلك وتتخذ إجراء ما يكون مسؤولاً ومشرفاً.
ما يجري في جرود عرسال أكثر بشاعة من الذبح، إنه قتل يومي لما تبقى من فكرة الدولة، وإذا لم تبادر القوى الأمنية إلى إنقاذ أبنائها، أو محاولة انقاذهم بشكل جدي، مهما يكن الثمن، واذا بقينا في إطار المماحكة اللبنانية ولعبة استغلال الدم في الرئاسيات المؤجّلة، فإن الوطن اللبناني المؤجّل سوف يتحول إلى أشلاء.