الإفتتاحية

بلاعنوان

كاريكاتير

فيديو

تصفحوا

تابعونا على الفيس بوك

إعلان

إعلان

نحن وإيران /محمد فهد الحارثي

رسالة الخطأ

Deprecated function: The each() function is deprecated. This message will be suppressed on further calls in menu_set_active_trail() (line 2405 of /home/alikhai2/public_html/includes/menu.inc).
سبت, 2014-12-20 10:37

إيران هي القضية الملحة في أزمات المنطقة، وربما أحد الملفات المزمنة في تاريخ العمل السياسي للمنطقة. ومن الواضح أن العلاقات الخليجية ـ الإيرانية تاريخياً لم تكن في معظم فتراتها على وفاق، وهناك تحليل تاريخي للعلاقات والمواقف السياسية، خلاصته، أن إيران الشاه وإيران الثورة لم يستطيعا أن يؤسسا لعلاقة إيجابية مع دول المنطقة.

ففترة الشاه كان فيها مهووساً بممارسة دور شرطي الخليج، وهو ما يتعارض مع سيادة دول المنطقة ومبادئ العلاقات الدبلوماسية المتكافئة، بينما المرحلة الخومينية أتت بفلسفة تصدير الثورة، وهو المبدأ الذي أثار حفيظة دول المنطقة، ووجدت فيه تهديداً لأمنها الداخلي واستقرارها السياسي.

التاريخ السياسي للعلاقات الخليجية ـ الإيرانية معروف وموثق، وهو ليس موضوع بحث هذه المقالة، بل استحضار التاريخ للاستشهاد على واقع العلاقات الحالي، الذي يبدو أن إشكاليته الأولى هي عدم الثقة بين الطرفين.

ورغم وجود فترات معينة مرت فيها العلاقات بمرحلة دفء، إلا أن الموروث السياسي والتوجه الراديكالي في السياسية الإيرانية، كان يعطل مسار العلاقات الإيجابية. كما أن التنافس الخفي على الدور السياسي الإقليمي في المنطقة، كان يقود أطراف المعادلة إلى التصادم بدلاً من التفاهم.

إيران دولة مهمة وذات ثقل إقليمي، ومن الخطأ تجاوز أو تجاهل هذه الحقائق. لكن سياسات إيران وتطلعاتها الإقليمية، جعلتها موضع شك وريبة، وساهمت في عزلتها السياسية دولياً. فالواقعية السياسية تتطلب التعامل مع معطيات الواقع، وليس خلط التاريخ بالنرجسية السياسية، وإقحام المذهبية في الأجندة السياسية.

فإشكالية الثورة الإيرانية أنها استخدمت المذهب منطلقاً لها، ولذلك اتجهت للانكفاء والتقوقع في قوالب التاريخ، وتعزيز مفهوم السلطة الدينية، من خلال إيجاد دور المرشد الذي يمسك بمفاصل السلطة في الدولة.

لكن الواقع السياسي يفرض شروطه في نهاية المطاف، فالخوميني نفسه هو الذي أمر بقبول وقف الحرب مع العدو اللدود وقتها، العراق، ووصفه بأنه أمرّ من شرب السم، والبراغماتية الإيرانية هي التي دفعت إيران لمحاولة النوم مع الشيطان الأكبر (الولايات المتحدة) في الغرف الخلفية.

وهي إيران اليوم التي تحاول أن تقدم نفسها بشكل جديد، بعدما فرض عليها الواقع الاقتصادي الداخلي حقائق تهدد الثورة ككل، وتكشف عن تراجع اقتصادي وتنموي هائل.

إيران اليوم مضطرة لأن تكون غير إيران الأمس، وهذا ليس خطأ في علم السياسية، فالسياسة هي فن الممكن، والقدرة على إيجاد استراتيجيات تخدم أهدافك الداخلية، وليس العكس.

وربما مرحلة العقود الثلاثة الماضية، تعطي أرضية لنضوج سياسي في إيران، يتعامل مع الخارج وفق قواعد العلاقات الدبلوماسية وقوانين النظام الدولي. ومن مصلحة دول الخليج، وجود إيران بهذا المفهوم الحديث والمسالم، لمصلحة شعوب المنطقة.

الخلاف السياسي بين الدول أمر جائز، لكن استخدام المذهبية كوسيلة سياسية وإقحام الدين أمر خطير، لأنه يجذر الخلاف ويعمقه في نفوس الناس، وبالتالي، عند تغير المصالح وخلق سياسة التقارب، تكون الأمور صعباً تقبلها لدى الجمهور العام.

كما أن إدخال المفهوم العرقي في النزاع السياسي خطأ استراتيجي، ففي نهاية المطاف، العرب والفرس مسلمون، لهم تاريخ واحد وحضارة مشتركة، وإيجاد الفرقة على أساس العرقيات هدف يسعد الأعداء، فالانشقاق الحاصل في العالم الإسلامي يحجّم مقدرات الأمة الإسلامية، ويجعلها مشغولة بخلافاتها ومشاكلها، بدلاً من توحدها واستعادة حقوقها المسلوبة.

من مصلحة الخليجيين وإيران، بناء علاقات إيجابية ومصالح متبادلة، على نظام مؤسسي يحمي الاستقرار ويعزز الأمن الإقليمي. والقضية تحتاج إلى مبادرات من الطرفين، مبنية على التزام وضمانات واضحة.

وتمثل مشكلة الجزر الإماراتية، واحدة من العقبات السياسية في العلاقات، وبادرت الإمارات بطرح حل سياسي واقعي ومتزن، وهو إحالة ملف الجزر إلى محكمة العدل الدولية، ويفترض في إيران الحديثة أن تحتكم إلى القانون الدولي وتوافق على التحكيم، وهذا يعطيها ثقة واحتراماً دوليين.

السياسة تؤمن بمبدأ القوة، ولكي تحقق أهدافك السياسية لا بد أن تستند إلى قوة تمكنك من تنفيذها، والعالم يعترف ويحترم الدول القوية.

وما يحتاجه الخليجيون في علاقتهم مع إيران، هو أمران، أولاً ترتيب البيت الداخلي، فعندما يكون وضعك الداخلي واللحمة الوطنية متماسكة، ومشروعك التنموي ناجحاً، واستقرارك السياسي متيناً ومبنياً على مؤسسات راسخة، فهذا يجعل أي محاولة تسلل إلى الداخل محكوماً عليها بالفشل، ومعروف أن أخطر عدو في الصراع الخارجي هو الداخل.

والأمر الثاني الذي يبدو أن الخليجيين تنبهوا له وأدركوا أهميته، هو ترابطهم السياسي ووحدة قرارهم، فحينما يكون الكيان الخليجي المتمثل في مجلس التعاون مترابطاً، ولديه تناغم سياسي واستراتيجية واحدة، يجعل القريب والبعيد يحترم قرارهم، ويتعامل معهم بمبدأ الندية والسعي إلى كسب هذه المنظومة.

فدول مجلس التعاون ككتلة، لها ثقل اقتصادي وسياسي ضخم، وتستطيع لعب دور مؤثر في السياسية الإقليمية والدولية، وهي بتعاونها مع مصر، تستطيع أن تملأ الفراغ في النظام الإقليمي العربي.

وحينما يكون العرب بهذا القدر من التنسيق والتعاون والقرار الموحد، يستطيعون أن يستوعبوا الدور الإقليمي لدول الجوار، مثل إيران وتركيا، فهما دولتان مهمتان، والتنسيق معهما والتعامل معهما كبلدين مساندين في استقرار المنطقة، بدلاً من النظر إليهما كعدوين، سيخدم مصالح الشعوب.

المنطقة تعبت من الصراعات والحروب، وظلت منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق المأزومة في العالم، ولذلك كان فيها التطرف والإرهاب والفقر. وحان الوقت لتصبح التنمية ومصالح الشعوب والرخاء، هي التي تقود سياسات الدول.

هذا هو الرهان الحقيقي لقياس التقدم والنفوذ، والخيرات الموجودة في المنطقة كثيرة، ويمكنها عمل الكثير، إذا استخدمت في مكانها الصحيح. وربما أزمات المنطقة تعطي بارقة أمل للتغيير الإيجابي، فكما يقال، في داخل الأزمات توجد الفرص.