بلاعنوان

كاريكاتير

تصفحوا

تابعونا على الفيس بوك

إعلان

إعلان

فيديو

هوس العودة L’obsession du retour(ح10)

جمعة, 2015-02-13 23:28

.....لا أصدق السرعة التي مرت بها الأيام التي قضيت في ألاك،كأنها كالبرق مقارنة مع رتابة الأيام في نواكشوط،التي تتمدد بلا نهاية.لم يغادرني أصدقائي أبدا،لقد أخذت الكفاية من الفرح والسعادة.لقد وجدت حتى الوقت بين إطلالتين في البادية وأمسيتين بين الشباب ودعوتين من نظرائي في العمر من البنات،لزيارة مسنين ومشايخ ،طمأنوني بدعواتهم ومباركاتهم.

كان يمكن أن أكون في منتهى السعادة لولا خبر وفاة الحسناء غامي،التي  رحلت بطريقة اتراجيدية منتصف أغسطس،عشرة أيام قبل قدومي،تاركة المجموعة بأسرها في حزن،وخاصة نظيراتنا في العمر من البنات.

الآن علي أن أفكر في شيء آخر :سفري الوشيك ودراستي العليا التي طالما انتظرتها.لكن كم كان صعبا علي مغادرة أصدقاء طفولتي .لم أعرف أبدا من كم هو مؤلم الابتعاد عن  مدينتي ومسقط رأسي.كان الأمر غريبا، ذلك الإحساس المختلط بالرهبة وفكرة السفر والإقامة في المجهول.كم من الزمن سيستمر غيابي؟بالتأكيد سيكون ذلك مربوطا بظروف الدراسة والمنحة.

عند عودتي إلى نواكشوط فوجئت باستمرار التوتر،منذ توقيف الأطر السود الذين شجبوا التمييز في بلدهم.لم أكن أفهم الكثير وليست لدي سوى فكرة عامة.أرجو أن تعود الأمور إلى مجراها.للمرة المائة يعود تفكيري إلى ألاك،إلى ذلك الوداع المؤثر لأصدقائي وأهلي.لو لم أعرض عنها قليلا لظلت تلاحقني طوال السنة.بذلت جهدا لأتخيل بدل لك الحياة التي تنتظرني،أول ما غادرت باب المطار.

في يوم 15 سبنمبر 1986،قبل منتصف النهار بقليل،ركبت في مؤكر باص صغير،كان يقوم في تلك الفترة بأغلب النقل العمومي.أخذت وجهة مطار نواكشوط.كان والدي يرافقني وكذلك إبنة أخي وكي التي جاءت ذلك اليوم لزيارته.في بهو المطار الضيق ،كان الطلاب يتزاحمون لتسجيل أمتعتهم.حاولت أن أفعل مثلهم كي لا أفقد مقعدي.كنت حريصا على أن أفوت طائرتي،ويبدو أن ذلك وارد في هذه الفوضى.

الآن بدأت أصارع لكي حزاما لم أتعود عليه،يسمونها حزام الأمان،أنتهيت بربطها.فجأة بدأ صوت مضيفة بأن الطائرة ستقلع وأن علينا احترام التعليمات.بدأت أشعر بحركة الفوكر على المدرج،ثم توقف بضع دقائق قبل أن ينطلق.أصبح صوت مراوحه مصما ويهز جسم الطائرة.أصبت بالصمم وبعد لحظات عرفت عندما نظرت من النافذة أننا بدأنا الارتفاع.كانت أذناي تزداد صمما وكنت أرى مساكن العاصمة تصغر شيئا فشيئا قبل أن تختفي.خلال الرحلة كان تفكيري يراوح من جديد بين أصدقائي وأسرتي ووصولي إلى الدار البضاء.لقد كتب لي على ورقة صغير ،قرأتها وأعدت قراءتها ألف مرة،كل ما يجب أن أقوم به.أولا أخذ الباص حتى الرباط ثم ابحث عن سيارة تاكسي لتوصلني إلى عنوان طالب حيث سأقيم حتى أسجل،في انتظار إقامتي النهائية.لقد حفظت ما في الورقة من باب الاحتياط،حتى إذا ضاعت يكون بوسعي استرجاع مساري عن ظهر قلب من المطار وحتى البيت رقم 274،حي يعقوب المنصور أمل 4.

المغرب

الدار البيضاء! كانت الصدمة الأولى أن اكتشفت، عبر نافذة الطائرة المتجهة رأسا ببطء، نحو العاصمة الاقتصادية للملكية المغربية؛ اتساع هذه المدينة المترامية الأطراف، حيث غمرني شعور بالوقوع، رأسا، في بحر سيبتلعني بكل تأكيد.

أول ما لامسنا مدرج المطار غمرتني الدهشة: الحركة جيئة وذهابا، أزيز الطائرات، حلول الليل المفاجئ..في أقل ثلاث ساعات على ارتفاع يزيد على خمسة عشرة درجة.. النظام السائد انضباط الجمهور، البنية اللافتة لرجال الشرطة في كل مكان يطغى ذلك الشعور بالجديد، البراق، الكثير من الناس المسرعين، سيارات الأجرة المصطفة بشكل دقيق، نداءات السائقين، اكتشاف اللهجة المحلية المفعمة جدا بالدعاية، والقريبة كثيرا من حسانيتي المنبثقة من العربية.. قادنا أحد القدماء نحو سيارة أجرة متجهة إلى الرباط.. انطلقت السيارة مسرعة جدا. أوه! هذا جسر، ثم قطار يزمجر فجأة في ظلمة الليل البهيم.. أول جسر أراه، وأول قطار أشاهده!.. وجسر آخر ونفق.. يمتد على بساط من الإسفلت المعبد محفوف بالأشجار. لابد أن البادية جميلة هنا.. فأنا بعيد عن بلدي وأراضيه الشاسعة المغطاة عادة بالرمال! مجددا ظهرت أنوار المدينة. وسط الرباط يلمع بالأضواء كما لو كانت تحتضن مشهدا ليليا دائما.. سبق أن رأيت ذلك، يوما، عبر التلفزيون في انواكشوط.. أمر لا يصدق، تلك الوفرة في الأضواء خلال الليل، ثم نبتعد قليلا .. قريبا تتوقف سيارة الأجرة أمام بيت من طابقين: أخيرا وصلنا ! كان المبنى مكتظا بالطلبة الموريتانيين. كلهم نائمون البعض فوق البعض ، تقريبا  في الغرف والصالون. رحبت بنا مجموعة صغيرة، وها أنذا أبحث عن مكان أنام فيه.. النوم، مبالغة.. لما وجدت صعوبة في الشعور بالنعاس، بعد كل تلك الأحداث المتلاحقة في ساعات قليلة.....يتواصل