الإفتتاحية

بلاعنوان

كاريكاتير

تصفحوا

تابعونا على الفيس بوك

إعلان

إعلان

"إن شاء الله" تدخل اللغة الإنجليزية وتصبح شعار معارضي ترامب في أميركا

سبت, 2016-12-03 19:35

نشرت مجلة “فورين بوليسي” تقريراً مطولاً وشيقاً لمراسلتها بيتاني آلن إبراهيميان، عن عبارة “”، وكيف تسربت هذه العبارة إلى اللغة الإنكليزية وبات يستخدمها العديد من الأميركيين للتعبير عن مدى ثقافتهم ومعارفهم، أو تضامنهم ضد المناهضين للمسلمين.

وإليك التقرير كاملاً من فورين بوليسي:

يعلم متحدثو الإنكليزية جيداً إنه: إذا أردت أن تبدو ذكياً (أو ربما مزعجاً أحياناً) تحدّث بالفرنسية؛ كأن تقول: كان بهذا الفيلم شيء ما je ne sais quoi (أي: لا أعرف ما هو)، أو: أظهرت جدتي joie de vivre (أي بهجة) حقيقية. اللغة الفرنسية عُرفَت بأنها لغة التكلف منذ عام 1066 عندما كان النورمانديون الذين غزوا السواحل الإنكليزية يأكلون لحم البقر بينما كان الفلاحون الإنكليز البائسون يعتنون بالأبقار.

أما إذا أردت أن تبدو منفتح الذهن (أو ربما تحت تأثير المخدر): عليك باللغة السنسكريتية. لهذا ليس من المدهش أن نعلم أن أول استخدام موثّق لكلمة “كارما” (السنسكريتية وتعني: الفعل أو العمل) في الإعلام المكتوب بالولايات المتحدة كان في مجلة “سيرفر” لراكبي الأمواج، ومقرها كانت ولاية كاليفورنيا.

والآن نرى كلمة أخرى تشق طريقها إلى المعجم الإنكليزي-الأميركي. هذه الكلمة هي “إن شاء الله”. حظت “إن شاء الله” بظهورها الإنكليزي الأول في القرن التاسع عشر، لكنها لم تنتشر وسط الأميركيين غير المسلمين وغير متحدثي العربية سوى منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول. العبارة استخدمها كاتب مجلة “ذي أتلانتيك” جيمس فالوز في تغريدة على تويتر. وقامت الممثلة ليندسي لوهان بمحاولة استخدام مماثلة وإن كانت ركيكة. وتتكرر العبارة ذاتها أثناء اجتماعات العمل، أو في قطار الأنفاق، أو أثناء تناول وجبة خفيفة في بروكلين.

وبالنسبة للأميركيين الذين يستخدمون عبارة “إن شاء الله”، فإنها تجمع بين جلال اللغة الفرنسية، والإيحاء الذي تعطيه اللغة السنسكريتية بالتعدد الثقافي- بالإضافة إلى لمسة “المجازفة” تلك التي تنطوي عليها.

يملأ الرئيس المنتخب دونالد  إدارته بمؤيدين يرون أن “الإسلام بطبعه عنيف، وخَطِر، ومهدِّد”. ويؤمن بعض من رددوا هذا الرأي أن أي شيء مرتبط بالدين الإسلامي “يحمل قوةً شيطانية، وشراً لئيماً يجب التصدي له في كل لحظة” كما تصدّى البيوريتانيون (التطهيريون) لممارسة السحر في القرن السابع عشر.

وقال مايكل فلين، وهو ضابط استخبارات متقاعد اختاره الرئيس المنتخب دونالد ترامب لمنصب مستشار ، إن الإسلام “سرطان خبيث” وهو يعتقد أن “الشريعة تتسلل الآن إلى قوانين ومؤسسات الولايات المتحدة”. وكتب فرانك غافني المؤمن بنظرية المؤامرة -وكان قد قدّم نصائح لترامب خلال حملته الانتخابية ويعد “صديقاً مقرّباً” لستيف بانون، كبير الخبراء الاستراتيجيين للرئيس المنتخب- أن شعار وكالة الدفاع الصاروخي الأميركية يخفي هلالاً ونجمة، وهو رمز الإسلام، وأن هذا يشير إلى “خضوع أميركا الرسمي للإسلام”. وهي نظرية تأتي من عالم الأصولية المسيحية، التي اعتادت البحث عن رموز غامضة في أكثر الأماكن براءة.

يمتد هذا الخوف بديهياً إلى اللغة العربية. ففي عام 2013، انتقد غافني اختيار جون برينان من قبل الرئيس باراك أوباما لإدارة وكالة الاستخبارات المركزية، معتبراً إياه “أخطر داعمي أجندة المؤمنين بسيادة الإسلام داخل صفوف الحكومة الآن”. وما هو الدليل الوحيد الذي قدمّه غافني لمزاعمه؟ والجواب طبعاً كان بأن برينان يتحدث العربية بطلاقة. وفي حادثة أخرى، بعد أن عدَّد قائمة من أسماء منظّمات إرهابية في خطاب أمام لجنة الشؤون العامة الإسرائيلية الأميركية، تهكّم السياسيّ الأميركي ليندسي غراهام أن “كل ما يبدأ بـ(الـ) في ينذر بالخطر”. وبالطبع (الـ) هي ببساطة أداة التعريف في اللغة العربية، والمكافئة لكلمة the في اللغة الإنكليزية.

وبالتالي ليس مدهشاً أن وجدت عبارة “إن شاء الله” نفسها في مرمى متعصّبي الإسلاموفوبيا الصاعدين. وفي يونيو/حزيران الماضي عندما أنهى مذيع شبكة البي بي سي فقرته المعتادة بإصبعين متعاقدين وبعبارة “إن شاء الله” معوجّة -“سنكون ببلدة أوكسبريدج الأحد المقبل في حلقة خاصة نسأل فيها “هل نحن أمام نهاية العالم؟” إذن نراكم الأسبوع المقبل، إن شاء الله”- أطلق ذلك عاصفة بين وسائل إعلام اليمين.

وكتب موقع برايتبارت الإخباري أن “الحادثة أتت بعد أيام من اعتراف رئيس قسم الدين في شبكة بي بي سي الإخبارية أن الدولة الإسلامية متأصلة في الإسلام”. وعلّق الموقع واسع الانتشار “جهاد ووتش” المعادي للإسلام “يتبنّى الشعب المهزوم والمستعمَر لغة وعادات مستعمريه”. وفي أبريل/نيسان الماضي، طُرد طالب عراقي من جامعة كاليفورنيا بمدينة بيركلي، من على متن رحلة لشركة طيران ساوث-ويست بعد أن سمعه أحد الركاب يتحدث العربية عبر هاتفه النقّال، وأنهى المحادثة بقول “إن شاء الله”.

والآن يبدو أن الإسلاموفوبيا الكامنة التي يستحضرها استخدام العبارة أصبحت جزءاً من جاذبيتها وسط المتدينين التقدميين في الولايات المتحدة. وكلما توسّع الترويج الزائف للإسلاموفوبيا، ازداد التصدّي الثقافي المضاد له. وعندما يلجأ أميركيون إلى تزيين حديثهم بعبارة “إن شاء الله” مرة أو اثنتين فإن ذلك يعد فعل مقاومة مصغّر، وضربة مباشرة في وجه الاعتقاد بأن الإسلام -واللغة العربية تالياً- شريران. فهو الفعل اللغوي المكافئ لارتداء حجاب على الرأس تضامناً مع يوم الحجاب العالمي. أو النسخة الشفاهية من الإعلان المضاد لترامب قرب مدينة ديربورن بولاية ميشيغان، وهي مدينة ذات تعداد عال من العرب-الأميركيين، والذي كان مكتوباً بالعربية: “دونالد ترامب لا يستطيع قراءة هذا ولكنه لا يزال خائفاً منه”.

كان الإعلان بياناً سياسياً بارعاً، ونقداً للجمهوريين الذين يؤمنون أن أصواتاً معينة “يجب ترديدها كالتعاويذ لهزيمة الشر” (ويمثله “الإرهاب”)، بينما تظل عبارات أخرى (مثل “إن شاء الله” و”الله أكبر”) تابوهات لغوية بالنسبة لهم.

لكن لماذا “إن شاء الله” وليس كلمة عربية أخرى؟ توجد العشرات من العبارات الإسلامية الشائعة، مثل “بسم الله”، و”بارك الله”، و”الحمد لله”، لم تَعبُر إلى اللغة الإنكليزية (بينما ظهرت عبارة “بسم الله” في أغنية فرقة كوين “بوهيميان رابسودي” عام 1975).

يعود سبب ذلك لأن “إن شاء الله” تعبير ساحر، ويثير غضب المناهضين للإسلام، لذلك هو مفيد بلا شك. على الورق، تتشابه العبارة مع “مشيئة الرب God willing”، وهو التعبير المسيحي المكافئ في الإنكليزية. تسلّم العبارة بالعجز الإنساني عن توقّع المستقبل أو التحكم به بينما تستسلم إلى اعتقاد أن كائناً أعلى يحمل بيديه القادرتين مصير خطط الإنسان الهشة.

لكن بخلاف “مشيئة الرب” الإنكليزية، تعطيك “إن شاء الله” عذراً مناسباً ومحتوماً إذا لم تسر الأمور كما يجب. إذا تعطّل شيء في مطبخك أو حمامك وقال السباك أنه آتٍ “غداً، إن شاء الله”، ستعرف أن انتظاراً طويلاً في طريقه إليك. وفي بلادٍ مثل ، ينتشر استخدام إن شاء الله حتى تحوّل إلى لازمة كلامية أصيب بها المجتمع بأكمله يرددها المسلمون، والمسيحيون، وحتى غير المتدينين في مواقف روتينية مثل طلب هامبورغر أو ركوب مصعد – وهي ظاهرة أطلق عليها اسم “زحف إن شاء الله” في مقال نُشر في صحيفة نيويورك تايمز.

وهذا ما جعل التقاط العبارة من قبل الزائرين سهلاً. تعطي “إن شاء الله” شعوراً بعدم اليقين التام وهو ما تفتقره كلمة “لنأمل hopefully”. “لنأمل أن ننجز المشروع بحلول التاسعة مساءً” تعطى شعوراً بأن التحكم لا يزال بيديك وبالتالي يتبقى وراءها شعور بالمسؤولية إذا لم يتم الالتزام بالموعد النهائي. بينما “سننجز المشروع في التاسعة مساءً، إن شاء الله” في المقابل، تشير إلى قوة خارجية -أو القدر ذاته- تمسك بزمام الأمور وإذا لم يتم إنجاز أمر ما، فهو ليس مسؤولية الفرد تماماً.

بالإضافة إلى ذلك، العبارة غرائبية بأسلوب لا تحققه “بمشيئة الرب God willing” المسيحية. لأن عبارة “بمشيئة الرب” ترسم بأذهان  صوراً لمقاعد الكنائس والمظاهرات المضادة لحق الإجهاض خارج عيادات التخطيط الأسري -وهو ارتباط لا يريده الأميركي التقدميّ في ذهنه. بينما يدل الإلقاء ببضع عبارات “إن شاء الله” هنا أو هناك -“سيقدم توم التقرير الليلة، إن شاء الله!”- على الانتماء إلى نخبة مدنية متسامحة، ومثقفة، وكثيرة الترحال.

ولا يبدو أن الأميركيين متحدثي العربية يمانعون تلك الاستعارة الودية. قالت ماريا حنون، وهي طالبة دكتوراه فلسطينية-أميركية تقيم بواشنطن، إن هذه النزعة “بديعة”، وفسّرت ذلك بأن غير المسلمين والمسلمين معاً يستخدمون عبارة “إن شاء الله” عندما يتحدثون العربية، وأن استخدامها بين الأميركيين يُعَد “عملاً تضامنياً، وطريقة لإيجاد معنى ما في لغة غير لغتك”.

ويقول ثورستان فرايز، استشاري مقيم بنيويورك أخبرني أنه التقط عادة ترديد إن شاء الله من صديق جامعي يدرس العربية: “أقولها بين الحين والآخر، وبدأت استخدامها بكثرة بعد رحلة إلى  منذ بضع سنوات. يقولونها طوال الوقت هنا، وأرى ذلك شيئاً لطيفاً”.

لم يكن الاستخدام الأول لعبارة “إن شاء الله” في الإنكليزية استشراقياً فحسب – بل كان خاطئاً أيضاً: في كتابه “مملكة سام وشعبها”، كتب جون باورينغ، السياسي البريطاني والحاكم الرابع لهونغ كونغ: “إن شاء الله! أظن أن المحكمة الآسيوية لم تشهد سرعةً كهذه”. لكن إن شاء الله تستخدم فقط للإشارة إلى الأحداث التي لم تقع بعد. ويحتمل أن براونينغ كان يقصد “ما شاء الله”، وهي عبارة إسلامية أخرى تعبّر عن الدهشة أمام الظروف الحالية.

بينما كان أول من استخدمها في حديث عاديّ، وليس في إشارة بلاغية للشعوب الأجنبية، هو تي. إي. لورانس، والمعروف باسم لورانس العرب. نظر لورانس للعرب باحترام، وعاش بينهم، وتبنّى بعضاً من عاداتهم -وكان من بينها عادة التأكد من توافق الخطط الشخصية مع المشيئة الإلهية بقول “إن شاء الله”. وكتب في رسالة عام 1911: “قضيت الأسبوع الماضي في التصوير – وسأفعل ذلك أكثر الأسبوع القادم. كما سأحمّض الأفلام التي صورتها، إن شاء الله”.

وضع التدخّل البريطاني في الشرق الأوسط، وشمال أفريقيا، والهند  في موضع اتصال وثيق مع الشعوب المسلمة قبل عشرات الأعوام من تعرّض الولايات المتحدة لاتصال مشابه. جاءت إن شاء الله في أعقاب الاستعمار. وبالنسبة للطبقات العليا في ، كانت اللغة العربية علامة على التميّز: سيطر المستعربون على وزارة الخارجية البريطانية لعشرات الأعوام، وكان رئيس الوزراء البريطاني أنثوني إيدن -الذي تسبب في انهيار سمعة  في الشرق الأوسط نتيجة أزمة قناة السويس- يفخر بطلاقته في اللغة العربية.

في ذلك الوقت، كانت اللغة الإنكليزية-الأميركية أكثر انشغالاً برفاق الحزب الشيوعي ورواد فضاء الحرب الباردة مع روسيا. لم تستحوذ المنطقة على الاهتمام الأميركي حتى توسّع التدخل العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، وخاصةً بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. (مع أن الفضل في انتشار الكلمة يرجع أيضاً إلى تزايد أعداد المهاجرين المسلمين والشرق-أوسطيين إلى الولايات المتحدة. وتقول شابةٌ أميركية أنها تعلّمت الكلمة من طلاب يتكلمون العربية قابلتهم في جامعتها، بينما بحث شاب آخر عن الكلمة عبر جوجل بعد أن رأى أصدقائه المسلمين يستخدمونها في تحديثات  الخاصة بهم) وازدهرت دراسة العربية في الولايات المتحدة، وارتحل حشد من المسؤولين العسكريين الأميركيين، والدبلوماسيين، والصحفيين، ومتعاقدي الحكومة، والعاملين في المنظمات غير الحكومية، والأكاديميين، والطلاب إلى الشرق الأوسط. وعند عودتهم منه، أحضر الكثيرون تعبير “إن شاء الله” المنتشر، والمرن، وسهل النطق معهم.

والآن أصبحت إن شاء الله تعبيراً متداولاً بين الأجيال الأصغر سناً في أروقة وزارة الخارجية الأميركية، والصحفيين الذين قضوا وقتاً في المنطقة، والجنود الأميركيين ممن خدموا في العراق وأفغانستان، وبين الناس الذين يتحركون داخل نفس دوائر النخبة الخاصة بهؤلاء. وقال لي أحد الزملاء، وهو يستخدم الكلمة لكن ليس له تاريخ مسبق في الشرق الأوسط: “تعلّمتها لأن كل شخص في منظمات التنمية غير الحكومية يستخدمها”. بينما أخبرني آخرون أنهم عرفوها عبر الإنتاج الفني للثقافة الشعبية المعاصرة، مثل رواية “عدَّاء الطائرة الورقية” للكاتب الأفغاني-الأميركي خالد حسيني، والتي تحوّلت إلى فيلم عام 2007، ومثل كتاب “قصة عدنان” لربيعة شودري، والذي نُشر هذا العام.

نحن أمام احتمال أن تجد “إن شاء الله” مكاناً دائماً في اللغة الإنكليزية. لكن لا يدعو الأمر لقلق الخائفين من “زحف إن شاء الله”. لن تكون هذه المرة الأولى التي تحلّ فيها الكلمة ذاتها على لغة غربية. “أوهالا Ojalá” كلمة إسبانية شائعة عادة ما تُترجم إلى “لنأمل”. والواقع أن أوهالا ليست إلا النطق الإسباني لكلمة إن شاء الله، والتي وصلت بدورها إلى اللغة الإسبانية خلال قرون الحكم الإسلامي لإسبانيا والتي انتهت عام 1492.

أضِف إلى ذلك أن طلبك من النادلة المزيد من “شربات” الفطائر Syrup -والعائد إلى كلمة “شراب” العربية، وهي كلمة متعددة الاستخدامات تعلّمها الغرب خلال إحدى حوادث التلقيح المتبادل بين الثقافات التي تسببها الحرب: الحملات الصليبية- هذا الطلب لم يحدث أن جعل شخصاً يعتنق الإسلام يوماً. ولم يجعل قضاء ساعات في دراسة الجبر algebra -إحدى الكلمات “الإرهابية” التي تبدأ بـ(الـ)- شخصاً ما أكثر استعداداً لتهريب مدخراته إلى تنظيم القاعدة.

والآن، يتضّح لنا أن الحروف المتحركة القصيرة، وأصوات الهسيس، والحروف الاحتكاكية قد تكون أقل سحراً مما يحب البعض أن يعتقد. وهذا أمرٌ يجب على دونالد ترامب وفريق الأمن القومي الخاص به أن ينتبهوا إليه.. إن شاء الله.

ترجمة هافينغتون بوست