بلاعنوان

كاريكاتير

تصفحوا

تابعونا على الفيس بوك

إعلان

إعلان

فيديو

في الانتخابات القدمة : هل ستجد جاليتنا في الحجاز نفسها على خطى الشيوخ من غير قصد ؟

أحد, 2017-06-18 16:27
يحيى ولد البيضاوي-المدينة المنورة

لم تعد أوضاع الوطن والتفاعلات التي تحصل على سُوحِه من حين لآخر غائبة عن الجلسات التي تدار يوميا في الإطار العائلي أو الجلسات الودية الخاصة ، تحت صخب الإعلام بكافة نكهاته الوطنية والدولية المختلفة. فوسائل الاتصال المختلفة ألغت المسافات وطوتْ الحدود وجعلت الدنيا تدار بأصابع في شاشة لا تتجاوز مساحتها بضع سنتيمترات، زد على ذلك ما ينفرد به المجتمع الموريتاني في الحجاز من فراغ مضنٍ، وملل شديد، وتوجس من الحياة التي تزداد وطأتها حدة يوما بعد يوم.

لهذا لم تعد جلسات الشاي تخلو من نكتة سياسية أو نقد لاذع للأوضاع العامة في البلاد ، أو سُخرية من موقف معين ، سواء أكان ذلك مُرتجلا أو منقولا عن وسيلة اتصال وطنية أو دولية عارضت في فلسفتها أم والتْ، وهو تطور طبع حياة الناس في الآونة الأخيرة على كافة مستوياتها العمرية فجأة وبدون سابق إنذار جعلها تهتم بكل كبيرة وصغيرة تحصل في الوطن أو ترتبط به في الداخل أو الخارج .

غير أن هذا الاهتمام المستحدث ظهر وكأنه قد فارق سياقاتِه الاجتماعية وتجاوز مسارَه التاريخي ، فلم يستطع أن يجد في الواقع ما يعمل على مواكبته وتوجيهه الوجهة المثلى ؛ حيث كانت بعض الدوائر الرسمية وشبه الرسمية منفصلة تحفّ بها أطرٌ من الماضي تتفاعل معها وحدها في عزلة كاملة وشاملة تحجبها عن الواقع الحقيقي لمجتمع الجالية وكأنها تعيش واقع الثمانينات أو التسعينات .

لقد ظلت القنوات الإدارية الرسمية تدور في حلقة ضيقة معظمها نفايات للجهاز الإداري نفسه تم الاستغناء عنها بسيرورته التاريخية حيث تتشابه عناصرها في كل شيء من حيث غياب التكوين العلمي وتواضع الخبرة الاجتماعية والرغبة المسعورة في المقابل المادي، بيد أن كل واحد من تلك العناصر يمثل  إرثا مجسما من التراكمات القبلية والجهوية يخيل إليك أنه شاهد على قرون خلتْ من أيام داحس و الغبراء ، إن أي شخص يعيش في هذا الواقع لا بد أن يتأثر به وأن ينعكس على سلوكه وفهمه ونظرته للكون والحياة. هذا فعلا ما تعيشه مؤسساتنا الإدارية في غربتها هنا حيث تعيش غربتين في آن واحد غربة عن الوطن وغربة شعورية عن الواقع المعيش لمجتمع الجالية .

لقد جاءت فكرة الظهور العلني لمكتب الجالية مطلع العقد المنصرم محاكاة لأوضاع الجالية في أماكن أخرى من العالم وسعيا لتوظيفه في إطار المصالح المتناقضة لبعض الطموحين ، أما الخدمات التي يظن البعض أن بوسعه أن يقدمها فهي محض دعاية تستهدف التأثير على من لا يعرف الأوضاع المحلية العامة في البلد ؛ حيث لا مجال للتعاطي مع مكاتب من هذا النوع هنا في هذه البلاد . ولهذا ظل تسويق المكتب محصورا في "السوق السوداء" في بعض دوائر الحزب الحاكم، إلا إذا استثنينا بعض الصور التي يتم التقاطها في مناسبات محددة يظهر فيها البعض وقد دخل بعض المكاتب الرسمية المحلية لممارسة بعض طقوس المجاملة وهي طقوس إيهامية، حيث تُخرج إخراجا يُوهِم أن الداخلين يدخلون بصفة تمثيلية معترف بها رسميا وهم إنما يدخلون كما يدخل غيرهم في مناسبة مفتوحة للناس جميعا (معايدة). وكذلك يفعلون في مباريات كرة القدم الشعبية، حيث تراهم يلتقطون الصور مع الأطفال وقد لبسوا الزي الوطني ويقدمون لهم الكؤوس ليوهموا الخارج(في الوطن) أن لهم صفة تمثيلية معترفا بها في الجالية، وأنهم يوجهونها.

والحقيقة أن مكتب الجالية مصطلح قديم يشابه مصطلح مخيمات الإسعافات التي كانت تدار في مواسم محددة في الوطن ؛حيث كان هذا المكتب موجودا منذ عشرات السنين في المكتب القنصلي والحاشية التي تحيط به ، ودون علم أفراد الجالية ، وحيث يتم التعامل في إطاره من باب الترضيات وإدارة المنافع المشتركة والمصالح الشخصية.

ويوم أدرك المعنيون باستغلال هذا المكتب ضرورة رفع الستار عنه ظل محكوما بنفس العقليات بل بنفس الشخصيات التي كانت تديره من قبل وفي غياب كامل للكوادر العلمية والمثقفة التي تعج بها الجالية من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعيين وكتاب وطلاب..، فظل الطابع العام له هو تكرار القوالب وقولبتها لصالح  عقليات موتورة علميا ومهزومة ثقافيا وتحمل من الحقد على مجتمعها قدر ما تحمل من غياب الوعي والعلم والثقافة ، لهذا لم يكن يسمح لأحد أن يستفسر عن آليات اختيار مكتب أعلن عن ظهوره فجأة لمدة تجريبية محددة في 6 أشهر فاستمر 6 سنوات كاملة ، وفي المقابل لم يرفع أحد العتب حول الموضوع لقلة أهميته وتفاهة موضوعه .

وها هي آلة النسخ والتكرار تعيد نسخ الحدث مرة أخرى في موسم حج السنة الماضية حذو النعل بالنعل ، ويتكرر التأثر والتأثير هذه المرة أيضا فتتلقف تلك الجهات "المصلحجية" الكوادر الشابة والمفعمة بالقدرة على الفعل والعطاء في المكتب القنصلي فور دخولهم معترك العمل وساحة الإنجاز وقبل أن يتسنى لهم اكتشاف الضروري من بيئة العمل، فتحيط بهم كما تحيط الشرنقة بِيَرَقَتها ثم تبدأ الأحداث تتوالى في هذا الواقع الضيق ولمصلحته فقط ، ولأن المجتمع قد بدأ يتململ رفضا واستنكارا منه لهذا الأسلوب فقد قررت تلك الجهات في خطوة مفهومة أن تستبدل الشرعية المفقودة باستقطاب حزب تواصل فكان أن وافق " شَنٌ طبقه"، فتكاملت المآرب المشبوهة بين الطرفين وإن كان من الواضح أن الفائز في المعادلة هو حزب تواصل لاستغلال ذلك الحدث، مقابل غالبية من الأميين وأشباه الأميين ، لتمرير بعض الآراء و المواقف، وللتقرب من صوت الطاحونة وإن كان الجميع يدرك سلفا أنها فارغة .

بيد أن كل المعطيات الواردة تؤكد أن نهاية شهر العسل بين الاثنين تبدو وشيكة وأن ملامح صيف قائظ على بعد خطوات فقط منهما حيث تتضارب المصالح وتتناطح المآرب ، فموقف حزب تواصل من مشروع تعديل الدستور والتصويت القادم لتمريره معروف ومستجدات الساحة الدولية والإقليمية لا تحتاج إلى بيان وقد أضافت من المعاناة زيادة ومن الهمّ وَفْرَةً .

وهذا كله يجعل التصويت على مشروع تعديل الدستور المنتظر محفوفا بالمخاطر إن لم تتدارك الجهات المعنية الوضع وتعِدْ قراءة حساباتها بعيدا عن تلك اللغة الضيقة التي فرضتها آلة الفري التقليدية المسماة هنا بـ" الدولة العميقة " خصوصا وأن ثمة امتعاضا واسعا لدى الفئات المتنورة من الشباب والمثقفين من أسلوب التعاطي مع الجالية واغتصاب تمثيلها والتحدث باسمها دون علمها من قبل أناس لا تعرفهم ولا تعرف المؤهلات التي خولتهم تمثيلَها، ولا من نصّبهم ممثلين لها إلا إن كانت القاعدة الانتهازية الشهيرة "نحن مع من حكم" . وحيث لا يفتأ البعض يشبه أسلوب الحزب الحاكم مع الجالية بالأساليب المتبعة في الحزب الجمهوري في العهد الطائعي الذي ظلت الصفقات تسقط سقوط الصواعق على الأفراد والكيانات دون أن يشم لها أحد أي رائحة قبل وقوعها المدوي . وما ندري هل يغيب عن الحزب الحاكم الآن أن "ممثلي الجالية" الآن هم ممثلوها في أيام الحزب الجمهوري، وأن مؤيدي الرئيس محمد ولد عبد العزيز الآن هم مؤيدو معاوية ولد الطائع أمس؟ وإذا كان معتادا في موريتانيا أن يكون المستنفعون "مع من غلب" فهل يتوقع الحزب الحاكم أن تقبله الجاليات الموريتانية في الخارج، وفيها من لا يتقبل هذه الأخلاق ، وليس مضطرا للتعاطي معها أصلا ، ولا يرضى أن يمثله ويتكلم باسمه من تتمثل فيه؟ .

إن حزب الاتحاد من أجل الجمهورية لا يستطيع أن يقنع أحدا من مثقفي الجالية في الحجاز بسلامة غاياته وهو يَكِل أمر الإدارة المزعومة للجالية إلى جهات لا تمتلك من المقومات سوى أنها كانت ذات يوم تدور في فلك القنصلية وتقدم لأفرادها من الخدمات الشخصية ما تقبض ثمنه مضاعفا، وإن أرادت أن تضيف إلى تلك الميزة ميزة أخرى تمترست بالقبلية والجهوية في أضيق مفاهيمها رغم عدم قدرتها على مطارحة أهل الحل والعقد في أوساطها الاجتماعية علنا على الأقل، بل إنه بتمرير تلك المقاربات البائسة يجعل استقرار الجالية واستتباب أمورها في مهب الريح ، وهو أمر مفهوم عندما يتم تكريس الخطاب القبلي الضيق واعتماده كآلة للفصل والتمرير لدى الجهات المسؤولة وإقصاء مبدأ الفاعلية والأهلية ، إن أي عقلية تنسج أوضاع مجتمعاتها على هذا المنوال هي عقلية تستنسخ أوضاع مجتمعات الصحراء في القرن 18 وهي جديرة  بأن تنعت بعدم الذكاء السياسي، وقلة المعرفة بواقع الشعب.

وتحت تأثير هذه السياقات ليس غريبا أن يكون ثمة شبه إجماع لدى المهتمين بالشأن العام ، أن الجالية ستسير في أقرب الاستحقاقات الانتخابية على خطى الشيوخ في الغرفة العليا من مجلسنا الوطني وإن اختلفت الدوافع وتباينت الأسباب .

وللحديث بقية ..

 

المدينة المنورة ـ