القضية الحراطينية: عودة الانفجار

بقلم: احمد سالم المختار- شداد

إن انفجار بركان إتنا وغيره من الجبال البركانية الشهيرة ظاهرة طبيعية، غير أن الإنسان يعرف بدوره انفجارات من نوع آخر داخل مجتمعاته. ومن ذلك، على سبيل المثال، القضية الحراطينية عندنا. فبينما تأتي الثورات البركانية غالبًا على حين غرة، فإن الانفجارات المرتبطة بالقضية الحراطينية تبدو في الغالب متوقعة، بل ومصنوعة إلى حد ما بإرادة بشرية، نتيجة غياب إرادة سياسية حقيقية لمعالجة جذور المشكلة.
خلال الفترة الأخيرة شهدنا سلسلة من الأحداث تبدو مترابطة، أو على الأقل غير منفصلة عن بعضها البعض.
في البداية قام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني بزيارة إلى ولاية كوركل. وخلافًا لما كان مألوفًا، خاطب السكان مباشرة دون المرور عبر وسطاء من أعيان المنظومة السياسية والإدارية الذين اعتادوا الوقوف بين الجماهير والرئيس. وخلال تلك الزيارة اعلن التنديد بالقبلية ومظاهرها المختلفة التي تضر بالفئات الهشة والمهمشة، وقد استقبلت تلك الفئات رسالته بقدر كبير من الأمل. كما أكد على أولوية الفلاحين الفقراء في أراضيهم الزراعية.
ثم تلت ذلك أحداث أخرى متفاوتة الأهمية.
فمشروع الحوار السياسي، الذي أثار الكثير من الآمال كما أثار أيضًا التحفظات والشكوك، بدأ يثير القلق بسبب التأجيلات المتكررة دون تفسيرات مقنعة، ثم، بالخصوص، بسبب تسريب الحديث داخله عن احتمال مأمورية رئاسية ثالثة للرئيس الحالي.
هذا المشروع – إن بقي فعلًا مشروعًا ولم يتحول إلى واقع – لقي ترحيبًا من جزء معتبر من الطبقة السياسية، لكنه في المقابل أثار مخاوف جدية لدى بعض الأوساط، خاصة القوميين العرب بمختلف أطيافهم أو ما تبقى منهم.
وفي ظل غياب قاعدة شعبية قوية، عمل هؤلاء على تعبئة الطبقة السياسية من خلال الندوات والمؤتمرات من أجل قطع الطريق أمام أي حوار قد يفتح ولو جزئيًا ملف الإرث الإنساني لسنوات 1989 ـ 1990 ـ 1991. وكأن كان لهم دور ما فى تلك الاحداث الدامية والمؤسفة!
ومن الواضح أن حالة الارتباك التي يعيشها مشروع الحوار اليوم ليست بعيدة عن مناوراتهم، خصوصًا وأن تأثيرهم داخل دوائر السلطة لا يخفى على أحد.
وقد أدى الحراك السياسي الذي أثارته الأنشطة القومية العربية إلى عودة النقاش حول قضايا الهوية، وهي دائمًا قضايا شديدة الحساسية والانفعال.
وفي هذا السياق تم اعتقال نائبتين بسيطتين تنحدران من أوساط اجتماعية متواضعة، وتحدثت مصادر متطابقة عن تعرضهما لسوء المعاملة أثناء الاحتجاز، قبل الحكم عليهما بأربع سنوات سجن نافذة بعد محاكمة سريعة. ويرى عدد من القانونيين أن إجراءات الاعتقال لم تحترم الضمانات القانونية الخاصة بالبرلمانيين. كما شهدت السنتان الأخيرتان اعتقالات أخرى استهدفت أشخاصًا من الأوساط الاجتماعية نفسها، وهي أوساط هشة وقابلة للاستهداف. كان اجدر بمؤسس حزب الإنصاف ان ينصفهم.
ومن المفارقات أيضًا أنه منذ عام 2014 دأبت قطاعات واسعة من الطيف السياسي، إلى جانب الحساسيات ذات البعد الحراطيني، على إحياء ذكرى “ميثاق الحقوق والانعتاق للحراطين” في 29 أبريل من كل عام، باستثناء فترة جائحة كورونا.
غير أن هذه السنة شهدت، قبل الموعد بوقت طويل، نقاشًا شبه سرى غير مألوف حول التسمية نفسها، حيث رأى بعض “المثقفين المفرطين في التثقيف” أن مصطلح “الحراطين” يحمل حمولة هوياتية زائدة، واقترحوا استبداله بتسمية أكثر غموضًا وأقل دلالة إرضاءً لبعض “الحكماء” في المجتمع. مستوى لغوى وثقافى ليس فى متناول الجماهير الغفيرة من لحراطين البسطاء. وكأن هذا هو الغرض من التلاعب بعنوان الحدث السنوى.
وهكذا وجد كثير من أبناء القواعد الشعبية الحراطينية أنفسهم تائهين وسط هذا الجدل النخبوي، الذي تسبب في انقسامات جديدة داخل صفوف المثقفين من الحراطين أنفسهم.
للأسف، بدا وكأن اللعبة الخفية قد نجحت.
فأيادٍ غير مرئية تمكنت بسهولة من زرع الفتنة داخل نخب حراطينية كانت أصلًا تعاني من التشتت والانقسام، لتتحول الساحة إلى تبادل للشتائم والانفعالات الحادة حتى بين من عُرفوا سابقًا بالهدوء فى التعبير.
والمؤسف أن بعض من يقدمون أنفسهم كطليعة للحراطين، بدل السعي إلى توسيع دائرة الالتفاف الشعبي، يفضلون الانغلاق داخل خطاب هوياتي ضيق، حتى صاروا يهاجمون حلفاء الأمس مثل الكادحين رفاق الدرب الطويل فى العمل النقابي والسياسي ورفاق اليوم مثل القوميين العرب، وكأن هاؤلاء “القوميين المتحرطنبن”طائفة دينية لا تأمن إلا بنفسها و هي مغلقة تعيش على وهم الاكتفاء الذاتي.
ومن غير المنطقي – مثلًا – أن يهاجم ناشطون حراطينيون التيار الناصري، في حين أن هذا التيار ظل لعقود حليفًا لحركة “الحر” داخل حزب مسعود ولد بلخير ، وإذن السامورى ولد بي.كما أن العلاقة نفسها قائمة بين ناشطي حركة بيرام الداه اعبيد وعناصر من البعثيين داخل حزب سياسي.
فإذا كانت هناك قناعة بأن بعض التيارات القومية العربية تشارك في الحملة الحالية ضد النشطاء الحراطين، فمن الواجب إعلان ذلك بوضوح وقطع التحالفات السياسية معها.
وفي الحقيقة، فإن المسؤولية الأساسية عن هذه التحالفات، الغير الطبيعية تعود إلى السلطات التي ترفض الترخيص لبعض الأحزاب وتسمح لأخرى، مما يدفع الجميع إلى تحالفات قسرية ومتناقضة.
والمؤسف أيضًا أن بعض الأوساط الرسمية لا تتوقف عن تغذية مناخ الكراهية وعدم الثقة بين مكونات المجتمع، بينما ترفع في الوقت نفسه شعارات محاربة ما يسمى بالخطاب الشرائحى في سلوك يحاكى “اللص الذي يصرخ وراء اللص: “أمسكوا اللص!”.
وفي هذا السياق، والمفاجأة الكبرى، سُمح للمعارضة بتنظيم مهرجان جماهيري، وكان الترخيص نفسه مفاجئًا، لكن المفاجأة الأكبر كانت النجاح الكبير للمهرجان. فقد بدا واضحًا أن بعض “أبواق” الإعلام كانت قد هيأت مسبقًا للتعليق على فشله المنشود، غير أنها فوجئت بحشود بشرية ضخمة قارنها بعض المراقبين بتجمعات المعارضة الكبرى في بدايات المسار الديمقراطي.
أما المفاجأة الثالثة فكانت أن المهرجان تحول عمليًا إلى مهرجان خاص بـ بيرام الداه اعبيد، الرجل الشيطانى والمزعج سياسيًا، والذي كان البعض يراهن على إضعافه بعد الضربات القاسية التى تلقاها مؤخراً. وقد ظهر على عرش المهرجان وهو يكرر ضميره المفصل: “أنا”، بطريقة تذكر بخطابات الرئيس دونالد ترامب.
وفي المحصلة، يبدو أن هذا المهرجان شكل منعطفًا مهمًا في الحياة السياسية الوطنية، وكان بيرام بلا منازع أكبر المستفيدين منه. وكأن السلطات تمنحه، في كل مرة، الوقود السياسي الذي يحتاجه عندما يكون في أمسّ الحاجة إليه.
إن اليوم الذي تقرر فيه السلطة مواجهة جذور المشكلة الحقيقية، ومعالجة الظروف الأساسية التي تغذي الشعور بالغبن لدى الحراطين، سيكون اليوم الذي تختفي فيه تلقائيًا كل الشعارات والتوصيفات الهوياتية دون أثر. أما محاولة الالتفاف على أصل المشكلة فلن تجدي نفعًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى