“الإنزال الاقتصادي الآميركي”: من سيخنق؟
الدكتور محمدو ولد احظانا

أقضي الأمر؟
قضي الأمر بالحساب الترامبي؛ ولم يقض بالحساب الإيراني. فار التنور بالنسبة لدول الشرق بجميع دولها، وتفجر غلاء البنزين والأسمدة عيونا في الولايات المتحدة الآميركية.
عانت إيران من التدمير والتضخم والحصار البحري، وعانت آميركا من انحسار هيبتها وقوتها القاهرة في أرجاء العالم.
انهارت وثيقة التفاهم الآميركية الإيرانية بعد مفاوضات صعبة وتوقيع أصعب وصل إلى مرحلة التنفيذ؛ وارتاح النتن.. لنجاح تثبيطه لها وفشل نائب الرئيس الآميركي في إعادة “أميركا أولا” إلى السكة بدل “إسرائ.يل أولا”.
ارتفع الدين الاتحادي الأميركي ارتفاعا تاريخيا قياسيا غير مسبوق إلى 40 تريليونا بسرعة البرق؛ وتفاقم الجوع في أنحاء العالم بصورة مريعة.
جن جنون التكلفة المترتبة على مزارعي آميركا وأوروبا لغلاء الأسمدة؛ و لم يبق بيت في العالم ولا كوخ ولا خباء.. إلا دخل عليه نصيبه من عدم الأمن الغذائي والصحي، وارتفعت الأسعار على كاهله بما بين الثلث والربع..
سادت الريبة وعدم الاطمئنان أسواق المال العالمية، وهبت أعاصير الإفلاس في أنحاء العالم.
ارتفعت أسعار النفط ارتفاعا جنونيا جراء إقفال مضيق هرمز، وازدهر سوق الدعاوى الكاذبة بكونه “أرضا آميركية”. بإيجاز انهارت كل مسلمات العالم وأسسه خلال سنة وأشهر، وجاءت حرب اتراهو لتكرس كل الموبقات الكونية، دون أن يطرف جفن لتراهو ذي الوجهين..
فلأي سبب حدث كل هذا الخراب العالمي؟!
أمزجة وأسباب:
لقد حدث كل تلك الكوارث بسبب كلمات قليلة أسر بها النتن..باهو في أذن اترامب بالبيت البيضوي.
فما هو فحوى تلك الكلمات؟ فحوى الكلمات المشؤومة هو:
“سيدي وييد العالم، ثمة فرصة ذهبية للقضاء على النظام الإيراني المارق على إرادتك العظيمة خلال 72 ساعة على الأكثر، بخسارة صفرية ونجاح مطلق.
لا يتطلب منا الأمر سوى القضاء على القيادة الإيرانية جسديا.
تحريك ثورة شعبية هائلة في إيران وقد أحكمت عواملها؛
جلب نظام صديق لنا ينهي 47 سنة من عداء الملالي لإرادتنا السامية.
ستربح أنت سيادة عالمية اقتصاديا وسياسيا، ونجاحا انتخابيا، وربما مأمورية ثالثة بعد استفتاء دستوري لناخب مفتون بنجاحك في فنزويلا وإيران، و الانقضاض السريع على كوبا واگرينلاند دون عوائق، أوردود أفعال أوروبية بداعي الرعب منك من قوتك وإجرأتك؛
وسأربح أنا تحقيق حلم (إس..رائيل الكبرى)؛
وعمرا سياسيا جديدا مديدا من التحكم والتوسع واستعمار المنطقة، وإعادة ترتيبها جغرافيا واستراتيجيا، بما يحقق الرؤية التوراتية التلمودية التي تؤمن بها كما أومن.” وشد النتن شريطا لاصقا على عيني اترامب وأخذ ييده يوجهه إلى حيث شاء لأنه أصبح عينه التي يرى بها، وسمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به بينما أصبح اترامب يد النتن التي يبطش بها….
ولأن شيئا من هذه الأسطورة الحية لم يتحقق أصيب اترامب بعمى الخيبة التكتيكية والاستراتيجية، فاستخدم كل قوته الفائقة دون أن تغني شيئا غير التدمير الكوني.
لكن لما انكشف غبار ودخان القنابل الهائلة وأزال الشريط اللاصق عن عينيه، فرأى تناقص المخازن المتخمة بالنار والحديد، وارتفع منسوب المكابرة في دم “الأقوى عالميا”، وأفلست القوة العسكرية.. فتح اترامب حملة الإنزال الاقتصادي، ليس على شواطئ نورماندي هذه المرة وإنما على مضيق مائي يدعى هرمز كان مفتوحا قبل الحرب.
فهل سيخنق هذا الإنزال، المرعب -حسب وصف اترامب- إيران؟
بين الطوح العالي والواقع الواطئ:
لا أتوقع من غالبية القراء أن توافقني على ما سأذهب إليه هنا من تحليل وتوقع، كما لم توافقني على ما توقعته سابقا من فشل الحملة العسكرية الضارية. لكن هذا لن يمنعني من تحليل و أستشراف بعض النتائج التي أراها من وراء المبالغات الإعلامية الماحقة، على ألسنة طاقم اترامب المتصف بثلاث صفات جبل عليها: الأولى:
– المبالغة في التفاؤل لصالحه، وجودة صياغة عناوين ذلك التفاؤل، وبريقها اللامع.
– الثانية: المبالغة في التشاؤم لخصمه، وتشويهه واستضعافه.
– والثالثة: الانفصال عن الواقع، بما يترتب على ذلك من توقعات واسستنتاجات خاطئة.
فما المتوقع؟
نتائج متوقعة(غير متوقعة):
قلت في مقال استشرافي قبل نشوب الحرب الأخيرة، عن نتائج حملة اتراهو العسكرية إن: [[إيران لن تسقط وحدها]]، جراء الحرب المتوقعة، وكان. والآن أعود وأقول لكم: [[إن إيران لن تسقط وحدها في حرب الإنزال الاقتصادي التي نشبت اليوم]]. (هذا إن لم يفاجئنا مزاج اترامب بخرجة من خرجاته).
– لماذا أدعي ذلك؟
– لا أشك في أن تأثير الجولة الأولى من هذا الإنزال ستكون قاسية على إيران. وستكون نتائجها مؤلمة مثل ألم الضربة العسكرية الأولى؛
– ولا أشك أيضا في أن دولا عديدة ستستجيب لهذا الإنزال: سواء كان انحناء أمام عاصفته، أو تيقنا لنجاحه.
– ولا أشك كذلك في أن المطبخ الإعلامي والاستخباري لترامب وصنوه، سيرسم صورة وردية لنجاح الإنزال الموعود قبل أن يبدأ تأثيره الفعلي.
لكن مع كل ذلك أتوقع:
1- أن يكون التأثير الحاسم أو “القاتل” غير ملاحظ قبل الانتخابات النصفية الآميركية، لأن تأثير هذا الحصار المطبق لن يبدأ بقوة إلا بعد أربعة أو خمسة أشهر على الأقل، إن تم مائة بالمائة وذلك بحكم الخزين الحالي لدى إيران. ولذلك معناه العميق على تواصل الإنزال الاقتصادي.
2- أن إيران ستبدأ -من الآن- في توقي الصدمة من خلال رباط مصالحها بدول كبرى مثل الصين وروسيا اللتين يصل حجم تداولهما مع إيران إلى 20 مليار دولار. ولن تفرطا في هذه الكتلة المالية لصالح عيون اترامب المقيتة لديهما.
3- قد يشهر اترامب بكل مكابرة ورقة الضغط على الدولتين. إلا أن ذلك الحلم المنفصل عن الواقع سيواجه بإجراآت قاسية مقابلة، خاصة من الصين، بالنسبة للرسوم الجمركية، والمعادن النادرة، و إلحاق الضرر بسوق السندات المالية الآميركية، وسلة الدولار، و ضغط فائدة الديون على الخزانة الآميركية…
وأما روسيا فهي تخوض حربها الشعواء أصالة عن نفسها ضد الغرب كله، وفي ترسانتها بعض الأسلحة الإيرانية الفعالة والعكس. ومن الغباء أن يماشي رئسها بوتن رأس أعدائه اترامب في إنزاله الأعمى استراتيجيا، ويفرط في حليف موثوق، وشريك مؤتمن على حدوده هو إيران من أجل رجل غريب الأطوار، يواجه احتضارا انتخابيا أقرب إليه من حبل الوريد..
4- لن تتردد إيران لحظة في تطبيق منهجها في تفريغ أي شحنة ضغط اقتصادي عليها في جيرانها الذين ترى في إيذائهم ضغط على اترانب.
5- سيكون هذا المنهج في الإيذاء الاقتصادي نشطا وموسعا تطبيقا لمبدأ شمشون: “علي وعلى أعدائي يارب” أو أصدقائي.. سيان ذلك في عين إيران إن تيقنت الانهيار الاقتصادي. ولن يهمها إن صنف على أنه اعتداء غير مسوغ أو حوَل سياسي. أو.. أو.. وللأسف ستصبح دول الخليج ضحية لخصم صديق من جهة، وصديق خصم من جهة أخرى.
6- ستقوم إيران بتصعيد عسكري غير متوقع على موانئ تصدير النفط على البحر الأحمر والمتوسط بصواريخها ومسيراتها.
7- سيقوم الحوثيون بمحاولة فرض حصار في باب المندب على السفن التي تحمل النفط. كما ستسهدف البنية النفطية الخليجية دون تمييز، سواء ساعدت دول الهليج في خصار إيران أم لم تشارك.
8- قد تعود آميركا وإسرائيل إلى ضرب إيران من جديد ردا على قصفها لحاملات النفط.
9- قد يقنع الضغط الأقصى إيران لتغيير عقيدتها النووية وتتخلى عن فتوى علي الخامنئي بفتوى جديدة تقر نازلة حفظ النوع مما سيفاقم الأمور أكثر.
10- قد تلجأ إيران لحفر الأَنفاق الاقتصادية ردا على الإنزال الآميركي مما سيساعد في احتواء الهجوم الاقتصادي. وستكون لعبة المصابرة السلاح الأقرب إلى العقلية الإيرانية.
11- الحصيلة: أن يدخل العالم في عين حمئة من الأزمات المتسلسلة، والشرق الأوسط في فترة خبال اقتصادي وسياسي تتقاذفه الأمواج والأهواء، ولن يحقق الإنزال الاقتصادي الآميركي إن تمادى فيه اترامب إلا ما حققته القنابل الفتاكة في الجولة الأولى.
والخلاصة أن إيران لن تكون الضحية الوحيدة للإنزال الاقتصادي الآميركي الذي لايمكن أن يطول عمره أبدا. فإما تفاقم نوعي؛ وإما انهيار مخيب.
ويبقى السؤال العنيد مطروحا:
– لم كل هذا الخراب العالمي الهائل، والختناق الكوني، ومن أجل من تقرع كل هذه الأجراس؟!


