الدكتور الحسين ولد مدو.. حين تعجز البذاءة عن إسقاط الرجال
ماموني ولد مختار

اطلعت على بعض ما يكتبه أصحاب النفوس المريضة، ممن جعلوا الإساءة إلى الفاضلين نهجا، وتشويه الناجحين وسيلة للتعبير عن أحقادهم وعجزهم عن مقارعة الرجال بالحجة والدليل.
وقد استهدف هؤلاء الدكتور الحسين ولد مدو، رجل الثقافة والفكر، وصاحب الأخلاق الرفيعة والعقل الرصين، والكاتب والصحفي الذي ارتبط اسمه، قبل توليه أي مسؤولية رسمية، بالدفاع عن الصحافة والصحفيين وصون كرامة المهنة.
ولست هنا بصدد الدفاع عن مسؤول بحكم منصبه، وإنما أشهد لرجل عرفته في الميدان، واختبرت معدنه في ظروف صعبة، ورأيت مواقفه عندما لم تكن المواقف تجلب لصاحبها منصبا ولا منفعة.
عرفت الحسين ولد مدو صحفيا مؤمنًا برسالته، ومدافعا عن حقوق زملائه. وانتخب نقيبا للصحفيين، وظل خلال تلك المرحلة حاضرا في قضايا المهنة، مدافعا عن حرية الصحافة وحقوق الصحفيين، قبل أن يواصل هذا الدور من خلال مسؤولياته اللاحقة، وصولا إلى توليه حقيبة الثقافة والاتصال.
والأهم أن دفاعه عن الصحافة لم يتغير بتغير موقعه، فقد انتقل معه من صفوف الصحفيين إلى موقع المسؤول عن القطاع، وحمل معه القضايا التي دافع عنها قبل أن يصبح وزيرا.
وفي عهده على رأس قطاع الثقافة والاتصال، شهد مجال الإعلام جملة من الإجراءات والإصلاحات المهمة، من أبرزها تسوية وضعية المتعاونين في مؤسسات الإعلام العمومي، وترسيم 1865 متعاونا، بعد سنوات طويلة من الانتظار، بما وفر لهم وضعية مهنية وإدارية أكثر استقرارا.
كما تحسن مسار تمهين مهنة الصحافة وتنظيمها، من خلال الإطار القانوني المنظم للصحفي المهني والبطاقة الصحفية المهنية، بما يعزز المهنية ويضع ممارسة العمل الصحفي في إطار أكثر تنظيما ووضوحا.
وشهد صندوق دعم الصحافة الخاصة بدوره تعزيزًا لوسائله المالية، إذ تمت مضاعفة ميزانيته لتصل إلى 400 مليون أوقية قديمة، بما يرفع قدرة الصندوق على دعم المؤسسات الصحفية وتعزيز استمراريتها.
وهذه ليست ملفات هامشية؛ فهي تمس صميم حياة الصحفي ومهنته: الاستقرار المهني، والاعتراف بالصفة الصحفية، وتنظيم المهنة، ودعم المؤسسات الإعلامية.
كما واصل الحسين ولد مدو، من موقعه الوزاري، الدفاع عن الصحافة وقضايا الصحفيين، كما فعل قبل توليه الوزارة، مؤكدا في أكثر من مناسبة أهمية حرية الصحافة وتمهين القطاع وتحسين ظروف العاملين فيه.
لكن شهادتي في الرجل لا تستند إلى هذه الإجراءات وحدها، فأنا أعرفه قبل الوزارة، وأعرفه من خلال المواقف.
لن أنسى يوم تعرضت للاعتداء خلال مسيرة سياسية. لم يكتف يومها بالتعاطف أو الاتصال، بل حرص شخصيا على مرافقتي في مختلف مراحل العلاج والاستشفاء، وظل إلى جانبي حتى تجاوزت آثار الاعتداء.
ولن أنسى كذلك موقفه عندما تعرضت للفصل التعسفي من عملي، فقد جعل قضيتي من أولوياته، وتحرك من أجل رفع الظلم عني، وقاد وشارك في وقفات وتحركات للمطالبة بإنصافي.
ولم يكن ذلك سلوكا عابرا، فقد عرفته يقف إلى جانب صحفيين آخرين تعرضوا للظلم أو التضييق. لذلك لم يكن دفاعه عن الصحفيين بالنسبة إلي مجرد خطاب يقال، وإنما موقفا رأيته بأم عيني في أصعب الظروف.
ولهذا أستغرب أن يحاول البعض اليوم النيل منه بالتجريح والتشهير، وكأن كلمات عابرة قادرة على محو عقود من العمل والمواقف.
الحسين ولد مدو ليس فوق النقد، لكنه فوق الابتذال؛ وليس فوق المساءلة، لكنه فوق أن تستبدل الحجة بحملات التشويه.
من حق أي شخص أن يختلف معه، وأن ينتقد أداءه وقراراته، وأن يناقش سياساته ومواقفه. لكن الاختلاف لا يمنح أحدا الحق في اغتيال السمعة، ولا يحول الشائعة إلى حقيقة، ولا يجعل الشتيمة حجة.
أما أنا، وبناء على ما عرفته وعشته معه، فأشهد له بالنزاهة والاستقامة، وأراه بعيدا عن كل ما يمس الشرف والذمة، وفوق شبهات الفساد الأخلاقي أو السياسي أو الثقافي أو المالي.
وهذه ليست شهادة تزلف لمسؤول أو بحثا عن منفعة؛ فمنذ تعيينه وزيرا، وقبل ذلك على «الهبا»، لم ألتق به أبدا بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلا مرة واحدة سلمت عليه فيها في حفل رسمي. وإنما هي شهادة في حق من عرفته قبل أن يصل إلى موقعه الحالي، وعرفته عندما كان صحفيا، وشهدت مواقفه في أوقات لم تكن فيها السلطة إلى جانبه.
ومن أراد اتهام الحسين ولد مدو، فليأت بالدليل. ومن أراد محاسبته، فليحاسبه على قرار موثق، أو موقف معلن، أو أداء يمكن مناقشته بموضوعية. أما إطلاق الاتهامات جزافا وتحويل الخلاف إلى تشهير، فليس نقدا ولا شجاعة، بل إفلاس في الحجة وسقوط في أخلاق الخصومة.
إن الرجل الذي أمضى سنوات في الدفاع عن الصحفيين، ثم واصل من موقعه الرسمي العمل على تمهين المهنة، وتنظيمها، وتحسين أوضاع العاملين فيها، وتسوية وضعية المتعاونين، وتعزيز دعم الصحافة، لا يمكن اختزال مسيرته في منشور أو تعليق أو حملة عابرة على مواقع التواصل.
وأقولها بوضوح، لا خوفا ولا طمعا ولا تزلفا: لقد وقف الحسين ولد مدو معي عندما كنت في حاجة إلى من يقف معي، ولن أنسى له ذلك.
قد أقبل موقف من يختلف معه أو ينتقد بعض قراراته، لكنني لن أقبل أن يتحول الاختلاف إلى تشهير، أو النقد إلى إساءة. فالرجال لا تسقطهم العبارات العابرة، والتاريخ لا تمحوه حملات التشويه، ومن أراد مناقشة الحسين ولد مدو فليحاججه بالحجة والدليل، ولن يسقط في الميدان.


