إدارة الأزمة أم إدارة الأعباء؟
النائب سيد أحمد محمد الحسن

في ظل الازمة الاقتصادية الخانقة التي يشهدها العالم وتداعياتها المتلاحقة نتساءل: هل نمتلك بالفعل خطة بديلة في إدارة الاقتصاد، والتخطيط للمشروعات، ولأولويات الإنفاق؟
إن مواجهة الأزمة لا تكمن في إصدار القرارات فقط، وإنما في عدالتها وواقعتها، وقدرتها على مراعاة الفروق الاجتماعية والاقتصادية بين مختلف الفئات، فحين تُتخذ قرارات تؤثر مباشرة على الأعباء المعيشية، يبدو التساؤل المنطقي: هل استُنفدت كافة البدائل قبل الوصول إلى جيب المواطن؟، وهل تم تقييم الأثر الحقيقي لهذه الإجراءات على الفقراء وأصحاب الدَّخل المحدود؟ وعلى الأنشطة الاقتصادية التي يعيش عليها المواطنون؟
بالطبع، فإن أي إدارة ناجحة للسياسيات الاقتصادية في فترة الازمات تُقاس أولًا بما تخلفه على أحوال الناس، لا بحجم البيانات الرسمية أو بعدد المشروعات، وبالتالي فلا قيمة لكلامٍ عن «التنمية» إذا كان المواطن يشعر بالوجع، ولا معنى للإصلاحات الاقتصادية إذا كانت النتيجة هي تآكل الطبقة المتوسطة… وازدياد الفقير فقرا، وانهيار القُدرة على الاحتمال نفسها!
ببساطة، التنمية الحقيقية في وقت الأزمات لا تعني الاستمرار في استثمار مئات الملايين في تنمية العاصمة نواكشوط التي تتنفس تحت الماء، وغالبية القطاعات الحكومية لاتزال في سبات عميق، وحيث أنما ينجزه بعضها ينسف من قبل البعض الاخر؛ في تجل واضح على عدم التنسيق بين السياسات العمومية.
لا معنى للاستمرار في تنفيذ برامج تنموية لا نختلف على أهميتها بينما البشر يختنقون والظروف الحالية تستدعى ترحيلها حتى تنقشع الازمة.
ولعل الأخطر من الأزمة الاقتصادية نفسها، هو ذلك الإصرار العجيب على إنكار أثرها النفسي والاجتماعي على شعب تعيش غالبيته حالة إنهاك، موظف لا يكفيه راتبه، أو شاب فقد الأمل في الحصول على وظيفة، أو أب يخجل من عجزه أمام احتياجات بيته، أو أم تحسب أسعار حاجياتها الضرورية قبل أن تحسب أحلام أولادها، ثم يخرج من يُحدثنا أن المشكلة ليست في السياسات، بل في المواطنين أنفسهم، وفي قدرتهم على الفهم، أو في عدم رؤيتهم للصورة الكاملة!
المواطن البسيط قد يتحمل الضيق، لكنه لا يحتمل أن يُقال له إن معاناته مجرد وهم، أو أن ما يراه بعينيه ليس حقيقيًا.
نقد طرق إدارة الحكومة للازمة الطاقوية والاقتصادية العالمية ليس اعتراضًا او رفضًا لها، بل دعوة إلى إدارة أكثر عمقًا ومرونة وإنصافًا، فالدولة عندما تواجه الأزمات، لا يكون ذلك بقدرتها فقط على اتخاذ القرارات، بل في قدرتها على توزيع كُلفة الأزمة بعدالة، وحماية الفئات الأكثر هشاشة وفقرًا.
إن أكبر تجل لحالة التضارب في السياسات القطاعية وغياب التنسيق بين البرامج الحكومية بما ينقض غزل بعضها، يتمثل فيما آلت إليه ترجمة برنامج ورؤية فخامة رئيس الجمهورية، خاصة ما يتعلق منه بتوسيع دائرة الاستفادة من السجل الاجتماعي، وإنشاء وحدات سكنية لإيواء الفقراء ومجمعات تجارية وثقافية لمجتمع تآزر في العديد من مدن الداخل.
فالسجل الاجتماعي يعمل في واد لا رابط بينه مع أي من أنظمة الضمان الاجتماعي، ولا التأمين الصحي، ولا حتى بمعطيات الوظيفة العمومية.
أما المباني التي شيدت للسكن الاجتماعي، والتي صرفت عليها ميزانيات هائلة، فقد آلت إلى أن صارت مدن أشباح سرقت منها النوافذ والأبواب، فصارت خرائب وطلالا نتيجة للتدافع في تسييرها بين وكالة تآزرو البلديات!
وفي غياب حسم الصراع بين المندوبية والبلديات ضاعت وتلاشت مئات الملايين التي كانت مخصصة للم شتات عوائل آلاف الفقراء، ولم تنفذ إرادة فخامة رئيس الجمهورية.
إننا لم نعد في حاجة إلى مزيد من القرارات غير المدروسة في هذه الظرفية، بل نحتاج مزيدًا من الشفافية، حول حجم الأزمة وأعبائها وتداعياتها، والبدائل التي تمت دراستها، ولماذا تم اختيار هذا المسار تحديدًا؟
وهل تمت دراسة انعكاس تلك الزيادات على تكلفة الحياة اليومية، وكيف يمكن مطالبة الشعب بتحمل تكلفة الأزمة مع تآكل القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين الدخل والأسعار؟، وأين شبكات الحماية الاجتماعية من زيادة الأعباء، وهل نملك تصورًا واضحًا لاحتواء موجة التضخم الجديدة؟
وأخيرًا هل أصبح المواطن دائمًا الخيار الأسهل والمتاح لسداد فاتورة كل الأزمات؟
النائب سيد أحمد محمد الحسن



