رحيل الأمير الذي أحب موريتانيا (محطات لا يعرفها الكثيرون من حياة الراحل)
أبو معتز محمد عبد الودود الجيلاني
أعلن الديوان الأميري القطري ، فجر اليوم ، رحيل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني،باني قطر الحديثة،الذي اختص من بين من حكمو دولة قطر،بلقب “الأمير الوالد”.
سيقتصر هذا المقال التأبيني،على ذكر حب هذا الأمير لموريتانيا،ذلك الحب الذي لم يبح به يوما ،ربما تمسكا بسلوك المحب في تاريخ الثقافة العربية ، ولكنه تجلى في سلوكه.
كما سيذكر بعض محطات من حياة الراحل،لا يعرفها الكثير من الناس،لأن أجهزة الدولة لم تروج لها إعلاميا،رغم توفرها على الوسائل اللوجستية والبشرية،ربما لأن الراحل كان يكره المراءاة.
لقد تجلى حب الأمير الراحل لموريتانيا،ليس فقط في عدد الزيارات،التي أداها لنواكشوط،والتي وصلت إلى خمس زيارات خلال فترة حكمه،بل تجاوزتها إلى محاولة المشاركة في تطويرها من خلال عدد من المشاريع التنموية.
لقد شملت زيارات الأمير الراحل ،فترات أربعة أحكام موريتانيين،وهو ما يؤكد أن زياراته كانت للأرض وأهلها،وليست للنظام الذي يحكمها.
جاءت أول زيارة له لموريتانيا في بداية حكمه،أيام نظام الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع،وتوجت بتوقيع عدد من اتفاقيات التعاون ،ثم جاءت الزيارة الثانية خلال نفس النظام ، مباشرة بعد فشل محاولة الإقلاب 2003.
وجاءت الزيارة الثالثة،خلال الفترة الإنتقالية،تحت قيادة المرحوم،أعلي ولد محمد فال.
ثم جاءت الزيارة الرابعة،بعد انتخاب المغفور له ،سيدي ولد الشيخ عبد الله.
واختتمت زيرات الراحل لموريتانا،بالزيارة التي أداها خلال حكم الرئيس السابق،محمد ولد عبد العزيز،والتي توجت بالتوقيع على ثماني عشرة اتفاقية تعاون،وأمر خلالها الراحل بتنفيذ مشاريع عملاقة،حالت دون تنيذها أومور من جانب النظام الموريتاني، ليس المقام مناسبا لذكرها.
من هذه المشاريع،بناء برجين للبرلمان الموريتاني بغرفتيه،بناء جامعة،بناء فندق سبعة نحوم،بناء أكبر مسجد في إفريقيا وجعل مدينة شنقيط عاصمة للسياحة الثقافية العربية الإسلامية.
كان الراحل لا يساوم في الأمور التي تخص القومية العربية،ومن هنا يجب ذكر بعض المواقف التي اتخذها والتي كلفته الكثير،ومن هذه المواقف:
ـ رفض مشاركة دولة قطر في اجتماع دولة مجلس التعاون حول الإفصال في اليمن إلا على أساس وحدة اليمن،وكانت صحافة بعض دول المجلس قد عنونت وقتها بـ”اليمن الجنوبي والشمالي”،وكان وقتها وليا للعهد،وقد تحقق له ما أراد،ووصفت قطر وقتها بالتغريد خارج السرب.
ـ عندما وقعت الحرب بين السودان وأثيوبيا،اتخذ وقتها إجراء رمزيا بإصدار قرار أميري باقتطاع راتب يوم من جميع موظفي الدولة مساهمة في المجهود الحربي في السودان.
ـ عندما اجتاحت أرتيريا أرخبيل “حنيش” اليمني،أرسل مائتي طرادة بحرية إلى الرئيس اليمني،علي عبد الله صالح،وقال له،”لقد أرسلتها لك لتتأكد أني أقف إلى انبك،لكني أنصحك أن لا تستخدمها،وتلجأ إلى المحكمة الدولية وستكسب القضية وتصون دماء اليمنيين”،أمتثل الرئيس علي عبد الله صالح،وكسب القضية فعلا…
2002،وخلال جولته الإفريقية،التي شملت،جنوب إفريقيا،كوت ديفوار،غينيا،غامبيا،النيجر ومالي،كنت والسفير القطري في نواكشوط نشرف على تنظيم جزء الجولة،الذي يشمل،كوت ديفوار،غينيا،غامبيا،النيجر ومالي.
عند الساعة الخامسة فجرا،أيقظني سعادة السفير،محمد مبارك المهندي،وطلب مني كتابة كلمة سيعرضها على الأمير،إذا كان سيلقي كلمة.
كان العالم وقتها تحت عاصفة أحداث الـ11سبتمبر، وماكينة الدعاية الصهيونية،تشتغل بكل جهدها ، لربط الإسلام والنضال من أجل تحرير فلسطين بالإرهاب،فارتأيت أن تكون الكلمة محاولة للتصدي لهذه الهجمة،من خلال رفض اللبس بين الإسلام الذي أخرج العالم من الجهل والظلام،إلى العلم والنور، و النضال المشروع للشعب الفلسطيني وبين الإرهاب.
كنت أشك في نفسي،أنه سيعير اهتماما لتلك الكلمة،بل أكثر من ذلك،كنت أتوجس أن أروح ضحية لها.
في المساء،وعلى العشاء الذي نظمه على شرفه الرئيس الإفواري،لوران أغباغبو،قرأ الأمير الكلمة،بتصرف بسيط لم يمس جوهرها.
كان الراحل،غاية في التواضع واحترام الآخر.
عندما أجرى عملية جراحية سنة 97أرسلت له تهنئة بمناسبة نجاح العملية،أرسلتها في المساء،عن طريق فاكس عمومي،وفي الصباح سلمني القائم بالأعمال وقتها في السفارة بنواكشوط،محمد جابر السليطي،جواب رسالتي(مرفق).
رحم الله الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني،الأمير الذي أحب موريتانيا،وأنزله منازل الشهداء والصديقين.
أصدق عبارات التعازي والمواساة إلى رفيقة دربه صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر المسند،وصاحب السمو أمير دولة قطر الشيخ تميم بن الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني،وأصحاب السمو أبناء وبنات الفقيد وإلى جميع أفراد الشعب القطري.




