“لجنة تحقيق برلمانية” خارج الدستور… حين تتحول السياسة إلى مهزلة

بقلم الأستاذ محمدٌ ولد إشدو

تعود المعارضة البرلمانية في موريتانيا، من حين لآخر، إلى الواجهة بطلب إنشاء لجنة تحقيق برلمانية تحقق في بعض الملفات. ولا يعبر طلبها اليوم عن شيء، بقدر ما يثير سؤالًا جوهريًا هو: هل نحن أمام سعي حقيقي للإصلاح، أم إعادة إنتاج خطأ دستوري سبق أن دفع الوطن ثمنه غاليا؟
فمن الناحية الدستورية، يبدو الأمر محسومًا. ذلك أن الدستور الموريتاني، وهو العقد الاجتماعي للأمة، والقانون المهيمن على ما سواه، لا يجيز إنشاء لجان برلمانية غير دائمة إلا التي نصت عليها الفقرة الأولى من المادة 64، وحصرت وظيفتها بدقة في تلقي ودراسة “مشاريع واقتراحات القوانين بطلب من الحكومة أو الجمعية الوطنية”. ولا يتضمن نص الدستور أي أساس قانوني لإنشاء ما يسمى “لجنة تحقيق برلمانية”. وعليه، فإن المطالبة بذلك تشكل، في جوهرها، خروجًا صريحًا على الدستور، مهما كانت الشعارات المرفوعة، أو النيات المعلنة.
وليس إنشاء “لجنة التحقيق البرلمانية” بتاريخ 30 يناير 2020 وما نتج عنه من خراب ودمار ونكوص سوى شاهد حي على خطورة القفز على الدستور.. وتسخير القانون والمؤسسات في خدمة الانقلاب على إرادة الشعب؛ العمل الذي أقدم عليه الانقلابيون المفسدون يومئذ، وزكته وسوقته كتيبة الستين محاميا سخرت القانون والقضاء في خدمة السياسة، لا العكس.
فهل من الممكن تحقيق الإصلاح عبر بوابة الفساد؟ لقد صدق أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:
وإذا أتى الإرشاد من سبب الهوى ** ومن الغرور فسمِّه التضليلا
وإذا أصيـب القوم في أخلاقهــم ** فأقم عليهم مأتما وعويــلا.
نعم.. لقد كان إنشاء “لجنة التحقيق البرلمانية” الأولى، بموجب طلب من نواب المعارضة. لكن قبولها كان فخا ناعما نصبه لهم نواب الأغلبية المنقلبون، وقعوا فيه طواعية. فاستغلوهم في تمرير انقلابهم، واستغنوا عنهم ولفظوهم، باعترافهم هم أنفسهم. وما لم يكن لدى نواب الموالاة مشروع سياسي جديد يتطلب نجاحه إنشاء لجنة تحقيق برلمانية أخرى، فسيظل طلب نواب المعارضة حبرًا على ورق، يقتصر مفعوله على محاولة ضخ جرعة وهم في ساحة سياسية ميتة سريريا.
ولنفترض – جدلًا فقط- أن هذا الطلب تجاوز عقبة مجلس الرؤساء المعطّل، وحاز ثقة أغلبية النواب، وشُكّلت لجنة تحقيق، وجرى التحقيق، وكشف عن وقائع تفوق في خطورتها ما أسفرت عنه تقارير محكمة الحسابات ومفتشية الدولة صاحبتي الاختصاص؛ فماذا ستكون الخطوة التالية؟ فالدستور الذي لم ينص أصلًا على إنشاء لجنة تحقيق برلمانية، لا ينص – بطبيعة الحال- على أي آلية للتعامل مع نتائجها أو تقاريرها. وبذلك يصبح الجهد برمته دورانًا في الفراغ.
التاريخ يعيد نفسه، لكن على نحو مأساوي في المرة الأولى، وهزلي في الثانية. وقد كان إنشاء “لجنة التحقيق البرلمانية” سنة 2020 مأساة سياسية حقيقية، غيّرت موريتانيا إلى سيئ، وأعادتها عقودًا إلى الوراء. بينما ستكون المحاولة الراهنة ملهاة، وأيما ملهاة!
يقول ألبرت أينشتاين: “الجنون هو أن تفعل الشيء ذاته مرة بعد أخرى وتتوقع نتيجة مختلفة”.
فهل المعارضة الموريتانية موالية ومتمالئة على طريقتها؟ أم إن عقولنا السياسية صدئت وخارت فتوقفت عن إبداع أساليب وآليات ملائمة وفعالة وجديرة – دون غيرها من الترهات- بدرء الفساد والمفسدين وتحقيق المصالح الوطنية العليا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى