إفريقيا والكابلات البحرية

يعقوب أعبيدي

افريقيا تُمثّل اليوم إحدى أكثر زوايا الجغرافيا السياسية الرقمية إهمالًا، رغم أن البحار المحيطة بالقارة تحولت فعليًا إلى شرايين حيوية للتنافس الدولي على النفوذ والبيانات والاتصال. وقد أظهر مقال الباحثة لين كوك على موقع foreign Affairs بتاريخ ،2يناير. 2026 حول «الشرايين الجديدة للقوة» بوضوح كيف لم تعد الكابلات البحرية مجرد بنية تحتية تقنية محايدة، بل أصبحت أدوات استراتيجية تُستخدم لإعادة تشكيل موازين القوة بين الدول الكبرى. غير أن هذا التحليل، الذي انصبّ أساسًا على بحر الصين الجنوبي، يدفع إلى طرح تساؤل ملح من منظور إفريقي:
ماذا عن البحار الإفريقية؟،
وما هو الموقع الحقيقي للدول الإفريقية في هذا الصراع الصامت الذي يدور في أعماق المحيطات؟

تمتلك إفريقيا أطول السواحل بين القارات النامية، وتطل على المحيط الأطلسي والمحيط الهندي والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، وتعبر قبالة سواحلها عشرات الكابلات البحرية التي تؤمّن الغالبية الساحقة من حركة الإنترنت العالمية. ورغم ذلك، نادرًا ما تُعامل هذه البحار باعتبارها فضاءً استراتيجيًا قائمًا بذاته، بل يُنظر إليها في كثير من الأحيان كمجرد ممرات تقنية مفتوحة، لا كساحات سيادة وطنية وقارية. هذا التناقض يكشف فجوة عميقة بين المكانة القانونية التي يمنحها قانون البحار للدول الإفريقية، والواقع العملي الذي تُدار فيه هذه البنى التحتية الحساسة.

من الناحية القانونية، تتمتع الدول الإفريقية، بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار unclos، بسيادة كاملة على مياهها الإقليمية، وبحقوق سيادية واضحة في مناطقها الاقتصادية الخالصة وعلى جروفها القارية. غير أن هذه السيادة، في كثير من الحالات، تبقى سيادة على الورق أكثر منها سيطرة فعلية. فضعف القدرات البحرية، ومحدودية وسائل المراقبة، وغياب الأطر التنظيمية المتخصصة بالكابلات البحرية، إضافة إلى اختلال ميزان القوة التفاوضية مع الشركات العالمية العملاقة، كلها عوامل تجعل القرار الحقيقي بشأن مسارات الكابلات، وإدارتها، وصيانتها، خارج يد الدولة الساحلية.

من حيث المبدأ، يُفترض أن يتم مدّ الكابلات البحرية الدولية بالتشاور مع الدول الساحلية واحترام قوانينها الوطنية والتزاماتها الدولية. لكن الواقع الإفريقي يُظهر أن دور العديد من الدول لا يتجاوز منح تراخيص شكلية أو تحديد نقاط إنزال الكابلات على اليابسة، بينما تُتخذ القرارات الاستراتيجية الجوهرية المتعلقة بمسار الكابل، وملكيته، ومراكز التحكم فيه، وتدفقات البيانات العابرة له، في عواصم بعيدة عن السواحل الإفريقية. وغالبًا ما تُقدَّم هذه المشاريع في خطاب تنموي جذاب، دون نقاش معمق لتداعياتها السيادية والأمنية طويلة الأمد(الأمثلة كثيرة من الكوابل التشاركية الدولية التي مرت من السواحل الافريقية).

ويزداد هذا الإشكال تعقيدًا في ظل التنافس المتصاعد بين القوى الكبرى، حيث أصبحت الكابلات البحرية جزءًا من أدوات النفوذ الجيوسياسي، سواء لضمان السيطرة على تدفقات البيانات، أو لتعزيز الحضور الاقتصادي، أو حتى لدعم القدرات الاستخباراتية. وفي هذا السياق، غالبًا ما تجد إفريقيا نفسها ساحة لهذا التنافس، لا شريكًا فاعلًا في صياغة قواعده أو توجيه مساراته.

فقبالة السواحل الافريقية تمر عدة كابلات بحرية دولية تُعد جزءًا من العمود الفقري للربط بين إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين.

ويثير هذا الوضع تساؤلات جوهرية حول مسار اتخاذ القرار، وحدود التشاور، ومدى احترام الإجراءات الوطنية، خصوصًا حين يتعلق الأمر ببنية تحتية استراتيجية تمر داخل أو بمحاذاة المجال البحري للدولة.

ويطرح ذلك سؤالًا أوسع : هل تلتزم الكابلات البحرية الدولية دائمًا بالمسارات القانونية المحددة في أعالي البحار، أم أنها في بعض الأحيان تدخل فعليًا ضمن المجالات الإقليمية أو المناطق الاقتصادية الخالصة للدول دون شفافية كاملة؟

ولماذا لا تُلزم الشركات أو تجمع الشركات المالكة للكابلات بنشر مساراتها التقنية بشكل واضح ومشترك مع جميع الدول المعنية، بدل الاكتفاء بإخطار محدود أو غير مكتمل؟ إن غياب الشفافية في هذا المجال لا يُضعف فقط السيادة الوطنية، بل يعرقل أيضًا قدرة الدول على حماية بنيتها التحتية البحرية والتخطيط لأمنها الرقمي.

ويزداد هذا الخلل وضوحًا مع الدور المهيمن الذي تلعبه بعض الجهات التقنية الكبرى، حيث باتت شركات مثل ASN تحتكر إلى حد بعيد الأعمال الفنية والتقنية المتعلقة بالكابلات البحرية في إفريقيا، سواء من حيث التصميم أو التنفيذ أو إدارة البيانات. وقد أفرز هذا الاحتكار نمطًا من التعامل غير المتكافئ، ويُضعف نقل المعرفة وبناء القدرات المحلية. إن استمرار هذا الوضع يطرح ضرورة إعادة التفكير في بنية السوق نفسها، ويفتح الباب أمام تساؤل مشروع: لماذا لا تبادر الدول الإفريقية، منفردة أو عبر أطر إقليمية وقارية، إلى فرض مؤسسات تنفيذ وتنظيم جديدة في هذا المجال، تحترم القوانين الوطنية، وتكرّس مبدأ الشفافية، وتضمن تبادلًا عادلًا للبيانات والخبرات؟

ورغم التحسن الملحوظ في ربط إفريقيا بالإنترنت خلال العقدين الأخيرين، فإن الاعتماد شبه الكامل على بنية تحتية مملوكة أو مُدارة من الخارج يظل مصدر هشاشة استراتيجية. فتعطل كابل واحد، أو وقوع تخريب متعمد، أو تصاعد توتر جيوسياسي بعيد عن السواحل الإفريقية، يمكن أن تكون له انعكاسات مباشرة على اقتصادات الدول، وأمنها الرقمي، واستمرارية خدماتها الحيوية. كما أن ضعف السيطرة على مسارات البيانات يحد من قدرة الدول الإفريقية على تطوير مراكز بيانات وطنية وإقليمية مستقلة، ويقلّص استفادتها الاقتصادية من موقعها الجغرافي.

إن قراءة مقال لين كوك من منظور إفريقي تُظهر بوضوح أن التحدي لا يقتصر على حماية الكابلات من التخريب أو النزاعات، بل يتجاوز ذلك إلى ضرورة إعادة تعريف موقع إفريقيا في معادلة القوة البحرية والرقمية العالمية. ويتطلب ذلك انتقالًا من منطق ردّ الفعل إلى منطق المبادرة، عبر تطوير أطر قانونية وتنظيمية متخصصة بالكابلات البحرية، وتعزيز القدرات البحرية والرقمية الوطنية، وتبني مقاربات تفاوضية جماعية على المستوى الإقليمي والقاري، وربط مشاريع الكابلات برؤية شاملة للسيادة الرقمية والتنمية الاقتصادية. ففي عالم أصبحت فيه قيعان البحار مسرحًا لصراع صامت لكنه حاسم، لم يعد مقبولًا أن تبقى إفريقيا مجرد ممر للبيانات، بل يجب أن تصبح فاعلًا واعيًا في حماية شرايينها البحرية وصياغة مستقبلها الرقمي.

رابط مقال لين كوك:

https://www.foreignaffairs.com/new-arteries-power?check_logged_in=1&utm_medium=promo_email&utm_source=lo_flows&utm_campaign=article_link&utm_term=article_email&utm_content=20260117

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى