خطاب رئيس الجمهورية في كوركل: رسائل رمزية فبل ان تكون لفظية

محمد عالي ولد عبادي

خطاب فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في كوركول لم يكن مجرد مناسبة خطابية عابرة، بل جاء محمّلاً برسائل سياسية ووطنية عميقة، تعكس رؤية متكاملة لبناء دولة متماسكة قوامها الوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية واستثمار التنوع الثقافي باعتباره مصدر قوة لا سبب خلاف.
فمن خلال اختيار ولاية كوركول – بما تمثله من فسيفساء بشرية وثقافية ولغوية – وجّه الرئيس رسالة رمزية قبل أن تكون لفظية، مفادها أن موريتانيا الحقيقية تُختصر في هذا التعدد، وأن مستقبلها لا يمكن أن يُبنى إلا بالاعتراف بكل مكوناتها دون إقصاء أو تهميش.
وقد ارتكز الخطاب على ثلاث رسائل أساسية:
أولاً، تعزيز الوحدة الوطنية بوصفها خياراً استراتيجياً لا شعاراً سياسياً.
أكد الرئيس أن اللحمة الاجتماعية ليست مسألة ظرفية تُستدعى عند الأزمات، بل هي أساس الاستقرار والتنمية، وأن الدولة عازمة على محاربة كل أشكال التفرقة وخطابات الكراهية، والعمل على ترسيخ المواطنة المتساوية حيث يكون الانتماء لموريتانيا قبل أي انتماء آخر.
ثانياً، ترسيخ ثقافة العيش المشترك.
جاءت كلماته لتعيد التذكير بتاريخ طويل من التعايش بين مكونات المجتمع، حيث تقاسمت الأعراق واللغات والأعراف نفس الأرض والمصير. فالتنوع – كما أوضح – ليس تهديداً للوحدة، بل هو شرط لها، إذ يثري الثقافة الوطنية ويمنحها عمقاً إنسانياً وحضارياً.
ثالثاً، تحويل التنوع إلى رافعة للتنمية.
لم يكتف الخطاب بالبعد الرمزي، بل ربط الوحدة بالتنمية الملموسة، من خلال مشاريع البنية التحتية، ودعم التعليم والصحة، وتمكين الشباب والنساء، باعتبار أن العدالة الاجتماعية هي الضامن الحقيقي للاستقرار. فحين يشعر المواطن بالإنصاف، تتراجع أسباب الاحتقان وتترسخ الثقة في الدولة.
بهذا المعنى، بدا خطاب كوركول أقرب إلى ميثاق أخلاقي وسياسي جديد، يذكّر بأن قوة موريتانيا تكمن في قدرتها على جمع المختلفين تحت سقف واحد، لا في محاولة صهرهم أو إقصائهم. إنها دعوة صريحة إلى تحويل التنوع من عبءٍ متوهم إلى ثروة وطنية.
وفي المحصلة، يمكن القول إن الرسالة الأبرز للخطاب كانت واضحة:
موريتانيا واحدة، بتعددها؛ قوية، بتضامنها؛ وماضية نحو المستقبل حين تجعل من وحدتها أساساً لكل مشروع تنموي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى