محمد فاضل ولد الداه: أيقونة الفكر والقلم والارتهان لمصلحة الوطن

بقلم/حمزة ولد سيدي حمود/كاتب صحفي

لم ألقه إلا عرضا مرة أو مرتين أثناء محاضرة في دار الشباب عام 1971.
كنت تلميذا مطرودا من الإعدادية، عمري خمس عشرة سنة، وأبدو دون سني.
أما هو، فموظف في الرئاسة وأحد الأسماء البارزة في المحيط السياسي للحركة الوطنية الديمقراطية التي ضمت
وقتها كافة القوى الحية في البلاد تقريبا.
– أذكر كيف كانت الأعناق تشرئب لرؤية محمد فاضل ول الداه، حين يقال حضر.
– وأذكر النبأة التي كانت تحصل بمجرد ذكر محاضرة تلقى في دار الشباب ويحضرها محمد فاضل ول الداه
. ينتشر الخبر بسرعة الرياح وتتداعى الجموع في الموعد المحدد. وعندما تبدأ المحاضرة ويأتي دور فاضل ول الداه،
يسود الصمت والهدوء كأن الطير على رؤوس الحاضرين من فصاحة تلك الحنجرة الأخاذة وانسكاب تلك الجمل البديعة؛
كوبانتهاء كلامه ينقضي الأرب ويمضي كل إلى غايته ، كائن من كان المحاضر وأيا كانت بقية البرنامج.
– وأذكر ما كان ينسبه شقيقي إسلم بن سيدي حمود من خصال حميدة لمحمد فاضل ول الداه
وهو كان من خلصائه ومن اعرف الناس به.
– كما اطلعت على ما أورده المرحوم بدن ولد عابدين في إحدى الحلقات من مجيء
محمد فاضل إليهم وإعلان انخراطه الكامل في العمل النضالي من أجل الوطن،
متجردا من الوظيفة ومن الامتيازات التي تمنحها له أو التي بإمكانه
الحصول عليها بحكم كفاءته وكونه حائزا على شهادة الليصانص في الحقوق ومن أوائل الخريجين.
– وأذكر- وأنِّي لي ألا أذكر- ذلك البيان الذي كاد أن يشعل الثورة المسلحة عام 1973 وهو من إنشاء محمد فاضل ول الداه.
لم يبق في ذاكرتي من البيان إلا أوله وهو من صفحتين ومنسوج كله على نفس المنوال:
” يا شعبنا العظيم؛ يا من تهاوى الطغاة الذين حاولوا قهرك واحدا واحدا وبقيت أنت خالدا على مر العصور؛
” يا من تحطمت طلائع الزحف الاستعماري على جدار بطولتك الأشم؛
” يا من استعصيت على كل محاولات التدجين والمسخ والإذلال؛
“ارفع رأسك وانظر ماذا يفعله الطغاة بوطنك العزيز.
” انظر كيف يحولون أرضك الطيبة المباركة إلى مهمه قاحل ملؤه الجيف والمقابر والأنين؛
” انظر كيف يحولون سماءك الصافية الجميلة إلى سماء ملبدة بغيوم الحزن والدم والدمع ودخان القنابل.”
لقد جعلني هذا البيان وأنا في السابعة عشرة من عمري أتوجه من تلقاء نفسي، مع بعض الأتراب المناضلين في مقطع لحجار، لاستكشاف المخابئ والكهوف والتضاريس الوعرة في المنطقة استعدادا لحرب العصابات.
ولو دعيت اليوم بمثله وأنا إلى السبعين، لعظيمة من العظائم لا تنافي مصلحة الوطن، لا أخالني سأستطيع أن أتمالك.
رحم الله أيقونة الفكر والقلم والارتهان لمصلحة الوطن محمد فاضل ولد الداه، وجعل الجنة مبوأه ومثواه.
حري بمثله أن يخلد.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى